فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 711

المنامات: من نعم الله التي منَّ بها على سجناء تدمر، الروح المعنوية العالية التي يتمتع بها أكثر السجناء، رغم ما يقاسونه من شدائد تنوء بحملها الجبال الراسيات. والمنامات هي إحدى المكرمات التي منَّ الله بها علينا، لترفع من معنوياتنا، وتعيننا على تحمّل ما نحن فيه من البلاء. ورغم مخالفتي إخواني كثيرًا في أمرها وتفسيرها، فإنني عندما أفكر الآن في الموضوع، أجد أن المنامات كان لها دور كبير لا يستهان به في تخفيف معاناتنا وكروبنا. فالسجن يفرض على الإنسان أن يعيش ظروفًا غير عادية، فأول ما يعانيه السجين العزلة عن العالم الخارجي، والتي كانت عزلة تامة في تدمر، وهذه تجعل الإنسان يعيش مع ذاته، مستغرقًا بالتأمل والتفكير، يسترجع الكثير من منسياته التي يستحيل على المرء تذكرها أثناء الحياة العادية، وفوق ذلك، فكلّ منّا يحمل في نفسه الكثير من الآمال والآلام، سواء العامة كانتصار المسلمين وقيام دولة الإسلام واندحار الكفر وأهله، والآمال الشخصية كالحرية والعودة للأهل والأصحاب والحياة العادية خارج أسوار السجن، يضاف إليه الخيال الخصب، وربما الطوباوية (الإفراط في المثالية والخيال) عند الكثيرين منّا، كل ذلك جعل من السجناء أسرى لكثير من الأحلام والخيالات التي لا تفارقهم لحظة واحدة، كلما هجع أحدهم للنوم، وربما كانت أحلام اليقظة جزءًا من تلك الخيالات.

كنّا نستيقظ صباحًا، وأكثرنا قد رأى أحلامًا شتى، وأكثرها يتعلق بحياتنا خارج السجن واللحظات الأولى بعد الاستيقاظ من أحرج الفترات وأكثرها ألمًا، وهذا ما كنت أشعر به، إذ يصحو الإنسان من نومه بعد تلك الأحلام الجميلة، ليرى نفسه أسير واقعه المؤلم، إنه ما زال داخل السجن، حيث العذاب والقهر، وقد سيطر علينا التشاؤم والخوف. يا الله ماذا ينتظرنا في هذا اليوم؟ هل يوجد حلاقة؟ هل يوجد حمام؟ .. تنفس؟ .. إلخ .. وكل مهجع يضم عددًا من الأخوة ممن اختصّوا بتفسير المنامات، يتحلق حولهم الإخوة عند الصباح، كلّ يقصّ رؤياه، وهم يصغون إليه، حتى إذا انتهى منها حاولوا تفسيرها، وربما دار جدل ونقاش حولها، وتعدى الأمر هذا الحد إلى درجة نقل الأخوة لأخبار المنامات بين المهاجع من خلال مهجع الجرب، وتضاف المنامات إلى الأخبار الأخرى، ليقوم الأخوة (أهل الرأي) بتحليلها جميعًا، وتقديم صورة وردية مع التعلق الشديد بتفسير المنامات والاستعانة بها لتحليل الأخبار مع المبالغة والخرافية بنقل الأخبار وتحليل الأخبار المختلفة، ويتعلق الأخوة كثيرًا بالمنامات، ويبنون عليها مالا تحتمله، مثال على ذلك رؤية بعض الأخوة لمنامات ذات مدلول محدد، مثل أنّ الفرج لجميع المعتقلين سيكون بتاريخ كذا وكذا، أو أن النصر سيكون عند العيد الفلاني، وهكذا. وربما خيّل لبعض الأخوة أنهم رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهم كيت وكيت، وتمر الأيام المحددة، وتعقبها أيام وأسابيع دون أن يحصل شيء، فماذا يعني ذلك؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت