فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 711

والحديث مع السجناء ممنوع، ورغم ذلك لم ينته الجنود عن الحديث معهم، فأحيانًا يسأل الجلادون بعض السجناء: لماذا جئت إلى هنا؟ وسأل جلاد إعرابي سجينا مرة: ما جاء بك إلى هنا؟ فأجابه: دروس القرآن، فلم يفهم الإجابة فقال له: هل مزقت القرآن؟ فأجابه السجين: لا بل كنت أقرأ القرآن في المسجد. فسكت وبدا عليه التفكير في إجابة ذلك المعتقل.

وسوء المعاملة هي القاعدة العامة التي يعامل بها السجناء، وربما كان سببها ما يقال للجنود بأن هؤلاء السجناء قتلة مجرمون، يقتلون الأبرياء وغير ذلك مما يذاع بوسائل إعلام النظام والتلقين اليومي للجنود. ومع الأيام غيّر بعض الجنود معاملتهم بعد تبرئة ساحة الكثير من السجناء من قبل المحاكم الميدانية، والذين كانت أعدادهم ملحوظة، وأذكر أن العريف علي شعبان وشعبان حسين صارا يكفان أذاهما عمن برأتهم محاكم النظام، والذين فرز بعضهم في مهجع مستقل هو رقم 8 في باحة الحمام. وبلغ عددهم مائة شخص، وكان المساعد الأول (أبو جهل) والعريفان المذكوران مع بعض الجلادين الآخرين يكفون أذاهم عن هؤلاء السجناء، أما الرقيب فيصل والعريف فواز فلم تتغيّر معاملتهما وظلا على لؤمهما وحقدهما المتأصل في نفوسهما الخبيثة.

السجناء والسجن: ليس سجن تدمر كغيره من المعتقلات، ذلك أنه أعد خصيصًا لتصفية المعتقلين جسديًا بالإعدام أو نتيجة التعذيب والإهمال، ونفسيًا وفكريًا بالتعذيب الجسدي والقهر النفسي. ومن دخل ذلك المكان اللعين فكأنما دخل عالمًا آخر ..

وفي ذلك الجو الرهيب استطاع المعتقلون تكييف أنفسهم مع تلك الأوضاع المأساوية، وأوجدوا عالمًا مليئًا بالجد والنشاط والفائدة والمرح أحيانًا، والغريب أن كل زنزانة في السجن كانت صورة طبق الأصل عن غيرها، وهذا ما عرفته عندما التقيت إخوة من زنزانات مختلفة، ونقل السجناء من خلال مهجع الجرب تجاربهم لبعضهم البعض ليستفاد منها، فكل مهجع في سجن تدمر هو عبارة عن مجتمع صغير منظم، فهناك رئيس المهجع وهو المسؤول أمام الجلادين، وقد يكون هو نفسه أميرًا أيضًا. وقد يختار الأخوة أخًا آخر ليكون أميرًا للمهجع، يطيعه الجميع بمن فيهم رئيس المهجع. وهناك لجان مختلفة لتنظيم شؤون المهجع، كلجنة الطعام التي تشرف على توزيعه، ولجنة التنظيف، ومهمتها غسل الأواني بعد الطعام، ولجنة الإصلاح ومهمتها إصلاح ذات البين ومنع حصول الخلافات والمشاجرات، واللجنة العلمية وتقوم بإلقاء الدروس، وأعجب تلك اللجان تلك التي أطلق عليها أخوتنا في بعض المهاجع اسم الفرقة الانتحارية، وتضم الإخوة الشباب ذوي البنية القوية، والشجاعة النادرة، ومهمتها التقدم إلى مواضع الخطر، ليفتدوا بقية إخوانهم، ويدفعوا عنهم الأذى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت