فهرس الكتاب
ويحين وقت صلاة المغرب بعد غياب الشمس، وبمغيبها يستروح الناس نسيم الاطمئنان والراحة، إذا كان المهجع لا يحوي على فتحة بالسقف، تُمكّن المجرمين من رصد حركات السجناء وسكناتهم، فيقوم المعتقلون ببعض النشاطات الجماعية حتى وقت النوم.
وإذا كان المهجع يحوي فتحات علوية، فلا مجال للنشاطات الجماعية إلا على نطاق محدود جدًا، مع الحيطة والحذر، حتى لا يسمع المجرمون أي صوت، فيكون ذلك مبررًا لتعذيبنا وإهانتنا. وهكذا يقضي السجناء أوقاتهم، وأهم شيء يملأ عليهم وقتهم، هو حفظ القرآن وتلاوته، وخرج بعض السجناء حافظًا لكتاب الله العزيز. وهكذا فلا مكان للشعور بالفراغ، يضاف إليه الأحاديث التي تدور بين الأخوة حول مختلف الأمور.
هذا هو البرنامج اليومي للسجناء في الأحوال العادية، وقد يطرأ عليه بعض التغييرات في بعض الحالات، فمثلًا عند وصول دفعة جديدة للمهجع، يطلب من بعض أفرادها أن يقف ويتكلم بشكل عام أمام إخوانه عما لديه من أخبار، ويقوم أحد الإخوة بالتحليل والتعليق على تلك الأخبار، وكذلك الأمر أثناء المحاكمات، أو إجراء المقابلات التلفزيونية والإذاعية مع بعض السجناء، أما بالنسبة لمهجع الجرب إذ يعود الإخوة بعد أسبوع أو أكثر يلتقون خلالها بنزلاء المهاجع الأخرى، بعد أن سمعوا منهم بعض الأخبار أو المنامات، فيتولى الإخوة أهل الدراية وذوو الخبرة والمراس تحليل الأخبار والمنامات، والتعليق عليها، وأحيانًا تكون هذه التحليلات والتعليقات واقعية متزنة، ولكنها في أغلب الأحيان تحوي الكثير من المبالغة والخيال، وربما الأوهام، وعلى كل حال، فإن سجناء تدمر معزولون تمامًا عن العالم الخارجي، ومحاطون بالمجهول، والظروف الصعبة، كل ذلك يجعلنا كالغرقى الذين يتعلقون بقشة، كي ينجوا، لذلك كان أكثر الأخوة يتجهون لأهل الدراية، طالبين منهم إبداء رأيهم فيما سمعوه، ويتحفظ أصحاب الآراء المتزنة عن إبداء رأيهم، لأن المعلومات غير كافية، ولا بد ليستطيع الإنسان التحليل والتعليق من أن يرى الصورة من جميع جوانبها، ولكنهم أمام إلحاح إخوانهم، كانوا يضطرون لإبداء رأيهم، وربما تعمّد بعضهم إعطاء صورة مشجعة لرفع معنويات إخوانه.
هموم المعتقلين: يمكن تصنيف معتقلي سجن تدمر إلى نوعين:
1 -النوع الأول: وهم الذين حشروا في المحنة حشرًا، أي الذين دخلوا السجن دون أن يكون قد خطر ببال أحدهم يومًا أنه سيتعرض للاعتقال كسجين سياسي. وهؤلاء هم الغالبية العظمى من السجناء، كالرهائن، والشهود، والذين اعتقلوا بسبب حضورهم دروس القرآن بالمسجد، أو بطريق