فهرس الكتاب
الخطأ، عندما طاش عقول أركان النظام الملعون، فصاروا كما وصفهم القرآن (يحسبون كل صيحة عليهم) يعتقلون الناس عشوائيًا، وهكذا دخل السجن كم هائل من عباد الله المظلومين.
2 -وأما النوع الثاني: فهم كل من نوى أو قام بنشاط ما، واضعين في حسابهم ما يمكن أن يتعرضوا له من سجن وتعذيب وإهانة، وحتى الشهادة فوطنوا أنفسهم لتلك المحنة، بخلاف من لم يكن بهذا المستوى من التصور والهمة العالية، فقد أصيب باللجاجة والاستياء فلا يفكر إلا بالنجاة والعودة للحياة العادية فكانت عيونهم ترنو إلى ما وراء الأسوار، حيث الحياة الدنيا ونعيمها الزائل.
وهذا لا ينفي وجود هموم مشتركة لجميع المعتقلين، والهمّ المشترك للجميع، هو التخلص من السجن وما يحويه من تعذيب وإهانة، إذ لا أحد من الناس يتمنى لنفسه المحنة، وحتى الأخوة الذين وطنوا أنفسهم لأسوأ الاحتمالات، لم يتصوروا السجن بهذا المستوى الرهيب من الظلم والوحشية، وكثير من الأخوة قرأ وسمع عن السجون، ويعلمون أن السجين السياسي يتعرض للتعذيب والإهانة في الفترة الأولى من اعتقاله، وبالتحديد أثناء التحقيق، وأما بعده، فلا وجود للإهانة والتعذيب، مهما كانت تهمة المعتقل، إنما يبقى رهن الاعتقال، ويسمح لذويه بزيارته.
وفي السجون أجهزة راديو وكتب للمطالعة وغيرها، والكل يعرف أن بعض المعتقلين قد كتبوا بعض كتبهم داخل السجن، كما هو حال الشيخ سعيد حوى، والشهيد سيد قطب، أما سجن الموت في تدمر، فلا شيء من هذا، إنما الموجود فقط هو التعذيب والإهانة بشتى أنواعهما، مع الموت بشتى الوسائل (الموت تحت التعذيب أو علي أعواد المشانق أو الموت البطيء) لذلك كان الهم الوحيد الذي يفكر به الجميع، هو التخلص من التعذيب والإهانة، وهذا الهم غطى على ما سواه لدى أكثر المعتقلين. ومع ذلك، فقد كان غالبية المعتقلين يتمتعون بروح معنوية عالية، يرفعون بها من معنويات إخوانهم، ويخففون عنهم الكثير من همومهم.
والهم الثاني للجميع هو الخوف من المجهول الذي يحيط بنا، فنحن لا نعرف مصيرنا، متى سيخلى سبيلنا؟ كم سنمكث في السجن؟ ما هي الأحكام التي صدرت بحق أكثرنا؟ هل سنساق لحبل المشنقة؟ أم سنبقى بالسجن؟ أم سننقل لسجن آخر؟ فنحن أشبه ما نكون بأسرى الحرب الذين لا يعرفون مصيرهم، هل سيرفع عنا التعذيب؟ أم سنبقى على هذه الحالة؟ هل سنتعرض للتعذيب أثناء المحاكمة أم لا؟ فكل شيء حولنا مجهول ومرعب يدعو للخوف، حتى الزيارة، كنا نخاف منها، ماذا ينتظرنا في المستقبل من صنوف جديدة للتعذيب تتفتق عنها قرائح المجرمين وعبقريتهم؟!! ماذا يدور خارج أسوار السجن؟ وما تأثير ذلك علينا؟ فالكل يذكر مجزرة سجن تدمر، ويعرف أسبابها، وكلنا مقتنعون بأننا رهائن في يد عدو لئيم حاقد. وهكذا .. فكل شيء يثير علامات الاستفهام، دون أن يكون عندنا الإجابة، والخوف من إعادة التحقيق هو أكثر الأمور التي تقلق بال المعتقلين، سواء