فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 711

هنا تظهر الحاجة ماسة لأصحاب الشجاعة والمروءة والصابرين من أهل الإيثار، فحيثما يسيطر الخوف والفزع على السجناء، يأتي دور أهل الشجاعة، ليرفعوا من معنويات إخوانهم، وليفتدوا إخوانهم عند الحاجة، وإذا سيطر الهم والحزن واليأس على بعض السجناء، تظهر الحاجة ماسة للصابرين المحتسبين المتوكلين على الله، ليذكّروا إخوانهم بهذه المعاني، فيزيلوا عنهم ما هم فيه، أو يخففوا عنهم كربتهم، وقد يبدوا هذا الكلام من الناحية النظرية سهلا، لأننا اعتدنا على تلك المعاني في حياتنا العادية، عندما يصاب أحد الناس بفاجعة، فيقوم الآخرون بمواساته، أما الوضع في سجن تدمر، فمختلف تماما، فالكرب عم الجميع، وهنا يظهر التفاوت بين الناس بتحملهم لتلك الشدائد، فمنهم من استسلم للمصيبة وراح يبكي، ويدعو الله، ويسأله الفرج، أما أصحاب العزائم الصابرون المحتسبون، فلهم موقف آخر ... إنها رجولة من نوع فريد، وعندما تنعدم ضرورات الحياة من مأكل وملبس ومشرب ودواء وغطاء وحتى مكان النوم غير متوفر، هنالك تظهر الحاجة ماسة لأمثالهم من أهل الإيثار الذين قال فيهم القران الكريم: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) لقد عرفتُ معنى هذه الآية الكريمة بشكل عملي في سجن تدمر، عندما ألحت الحاجة لهم؛ فحصة السجين لا تزيد في أكثر الأحيان عن خمس حبات زيتون، أو خمس حبات عنب، أو نصف بيضة مسلوقة، وكنا نتناول وجبة الطعام دون أن نشعر بزوال ألم الجوع، فكل شيء عزيز على النفس بسبب الحرمان، فقطعة الخبز حاجة عزيزة على كل سجين، وحتى حبة الزيتون وحبة العنب وهكذا. وهنا يظهر أهل الإيثار الذين مدحهم القرآن الكريم، وما يقال عن الطعام يقال عن الضروريات الأخرى من لباس وأغطية وغيرها، وحتى الماء يشح في بعض الفترات، خاصة في فصل الصيف، فلا تزيد حصة السجين عن (750سم3) ثلاث أرباع زجاجة عادية أو أقل من ذلك في اليوم والليلة، ولعل تلك الفترة كانت من أشد الفترات على السجناء (صيف عام 1982) ، وعندما تنعدم الراحة ووسائلها، فالكل قد أعياه التعب نتيجة التعذيب وظروف السجن القاسية ... هنالك تبدو الحاجة الأكيدة لأصحاب الهمم العالية، والعزيمة الصادقة، الذين يرهقون أنفسهم، ويحملونها فوق طاقتها من أجل راحة إخوانهم ... إنه نوع فريد من التضحية والإيثار التي كان يتعامل بها سجناء تدمر مع بعضهم.

الكرامات في سجن تدمر: تحدث الأخوة في السجن كثيرا عن الكرامات، ويعنون بها المنامات ورؤية الملائكة، ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم، وكنت أتحفظ على هذا الأمر، وخاصة عند الحديث عن المنامات، وكنت أقول لهم: إن الكرامات واضحة للعيان، فلا حاجة للخيال، ولا حاجة لنذهب بعيدًا. إن العناية الإلهية تحيط بنا من كل جانب ... لقد جمع سجن تدمر جميع أنواع المكاره والشدائد، مما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت