فهرس الكتاب
جعل أكثر السجناء أشباحا وهياكل عظمية، لا تقوى أجسادهم على شيء. لقد انهارت المناعة الطبيعية ضد الأمراض، فكانت الجروح تصاب بالالتهاب والتقيح، ويحار المرء كيف اندملت تلك الجروح؟ وكيف استطاع سجناء تدمر تحمل ذلكم العذاب الرهيب؟ حتى إن الجلادين يتعجبون، ويسألوننا باستمرار: (بعدكن ما متوا يا كلاب) ويضربوننا بحقد، يريدون القضاء علينا، ولكن العناية الإلهية كانت تحيط بنا من كل جانب.
من يصدق أن أحدنا يضرب بالعصا الغليظة التي تكفي ضربة واحدة منها لتهشيم العظام، لأن الأوباش يضربوننا بها على العمود الفقري بشكل خاص، أثناء جلوس السجناء للحلاقة أو في التنفس، وربما ضربوا الساقين والفخذين وأماكن أخرى، ومع ذلك، فالسجناء لا يصابون بأذيات كبيرة، سوى بعض الرضوض، وإذا أصيب أحدهم بكسر في أحد الأعضاء، فإنه يترك دون علاج إلا من بعض المعالجات البسيطة الأولية، كربط العضو المكسور. ومع ذلك، يتعرض هذا المصاب للتعذيب والضرب باستمرار، لكنه يشفى في أغلب الحالات. وهذا أمر يكاد يكون خيالًا.
ومن يصدق أن بعض السجناء ممن أصيبوا بجروح عميقة، ونتيجة للإهمال وظروف السجن السيئة، فإن تلك الجروح تقيحت حتى فاحت منها رائحة كريهة تزكم الأنوف، وساءت حالة بعضهم حتى أشرف على الموت، نتيجة لانتشار الجراثيم بالدم، ومع ذلك، شفاه الله دون علاج.
ومن يصدق أن تنتشر الأمراض المعدية والخطيرة بين السجناء، كالتيفوئيد والكوليرا والسل والتسمم نتيجة تناول الطعام الفاسد، ومع ذلك، كانت حالات الوفاة محدودة جدا.
لقد التقيت إخوة سجنوا سابقا في سجون أخرى (سجن المزة- سجن القلعة بدمشق- والسجن المركزي بحلب وغيرها) والتقوا سجناء سياسيين من الفئات الأخرى (غير الإسلاميين) ورغم الفارق الكبير بين سجن تدمر وتلك السجون، فإن أولئك السجناء العلمانيين كانت تسيطر عليهم الكآبة والحزن ولا ينفك البعض منهم عن البكاء ليل نهار كالأطفال، أو كالنساء، وربما شتموا قياداتهم، وتبرأوا من أحزابهم، عندما تسمح لهم الظروف، كأن يكتب أحدهم طلب استرحام لرئيس الفرع الذي اعتقله، ليرفعه للصنم الكبير، مقترحًا إخلاء سبيله، أو يقدم كتابا يعلن فيه ندمه وتوبته على انتسابه لذلك الحزب، ويعلن تخليه عن مبادئه، عسى أن يخلي سبيله.
أما هنا في سجن تدمر، فالصورة مختلفة تمامًا ... صحيح أن بعض السجناء كانوا على هذه الشاكلة من وهن العزيمة، ولكن القسم الأعظم يتمتعون بمعنويات عالية، رغم كل الشدائد التي تحدثنا عنها. وهذه كرامة عظيمة من الله لأولئك السجناء.