فهرس الكتاب

الصفحة 570 من 711

ظلمات بعضها فوق بعض: لقد اشتدت المحنة على سجناء تدمر عام 82 وبالتحديد أثناء مجزرة حماة (راجع فصل حمامات الدم) واشتد التعذيب مؤديًا لاستشهاد عدد من الإخوة، نتيجة ذلك، وانعدمت العناية الصحية، لانتهاء خدمة المساعد أبو رشيد (ممرض السجن) والمساعد أول أحمد كسيبي (أبو جهل) وتولى الرقيب أول فيصل جميع شؤون السجن، وكان من أشد المجرمين لؤمًا وحقدًا. وأما المعتقلون، فقد أنهكت أجسادهم، نتيجة معاناة سنوات السجن السابقة (عامين تقريبا) ولم تعد تقوى على شيء، وبلغت المحنة ذروتها صيف ذلك العام، إذ أضيفت محنة جديدة، هي انقطاع الماء خلال أيام الصيف، فكانت إدارة السجن تحضر صهريجًا ليوزع على جميع المعتقلين. وباع السجانون عدة غالونات بلاستيكية لكل مهجع، لتملأ بماء الشرب، ولا تزيد حصة السجين الواحد عن 3/ 4 لتر من الماء، أو أقل من ذلك في أغلب الأحيان. وبالطبع، توقفت الحمامات، وجميع عمليات التنظيف والغسيل. وليتصور المرء بعد ذلك: كيف أصبحت حالة المعتقلين؟.

وازداد الازدحام داخل المهاجع في تلك الفترة، فلا تزيد حصة السجين عن نصف متر مربع في أغلب المهاجع، وأصبح السجناء ينامون وقد تداخلت أجسامهم تحت الصدر، وإذا استيقظ أحدهم وخرج لقضاء الحاجة، أو لأي أمر آخر، ثم عاد لمكانه، لا يجد مكانًا ينام فيه، فيبادر لإيقاظ إخوانه، وإبعادهم، ليأخذوا وضعا يساعده على النوم ثانية؟!

وفي ذلك العام جرى فرز السجناء، فجمع القدامى منهم الذين حوكموا بمهاجع خاصة. وهكذا ضرب علينا دون العالم الخارجي سور غليظ من الظلم والعزلة، فنحن لا ندري ما يدور خلف أسوار السجن، نتيجة عدم احتكاكنا بالمعتقلين الجدد، وأذكر أننا سمعنا خطاب المجرم حافظ أسد بمناسبة 8 آذار من ذلك العام، ولم يكن الصوت واضحا بسبب بعد مكبرات الصوت عنا، واستطعنا أن نفهم من خطابه، ترديده لكلمة حماة مرات عديدة فاستقر في أذهاننا هاجس وقوع حادث رهيب هناك، دون أن نعرف التفاصيل، كما وصل إلينا خبر الاجتياح الإسرائيلي للبنان بمنتصف ذلك العام، من خلال أحد الأخوة الذي حصل على زيارة من أهله. وكان لذلك الأخ التماسات ووساطات، وجلس مع أقاربه في غرفة مدير السجن، وقال له أقاربه: إن الوضع في لبنان سيء جدًا.

وفي نفس العام تم تبديل العديد من الكوادر السجن (الشرطة وضباط الصف) واشتد الكرب على السجناء من كل جانب، فكان ذلك إيذانًا ببدء الفرج، وكنت أتذكر دائمًا قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) وأتذكر تفسير تلك الآيات الكريمات كما أتذكر قوله تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا، جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) وأتذكر قوله تعالى واصفًا حال المسلمين بغزوة الأحزاب: (وإذ زاغت الأبصار، وبلغت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت