فهرس الكتاب
مشاكل جديدة طارئة تواجه المعتقلين: إلى جانب الصورة المشرقة لسجناء تدمر، طرأت صورة معاكسة لها تمامًا بعد عام 1982 وكانت لقليل من المعتقلين، فسجن تدمر كان مقتصرًا على الإسلاميين، وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع المعتقلين كانوا كذلك، لقد راحت أجهزة المخابرات تعتقل الناس عشوائيًا، سواء أكان الشخص له صلة قرابة أو جوار أو علاقة صداقة عابرة بحكم العمل أو الدراسة أو الخدمة العسكرية، والأنكى من ذلك أن أجهزة الظلم لفقت تهمًا مزيفة لكثير من الأشخاص كي تبرر اعتقالهم، فمثلًا قامت المخابرات باعتقال الكثير من المهربين بمنطقة الساحل خشية أن يقوموا بتهريب الأسلحة للإخوان المسلمين، واعتقلت المخابرات بإدلب الناس بهذه الهمجية.
والعسكريون أيضًا قامت السلطة بتلفيق التهم لكل من يشكّون بولائه لهم. واجتمعنا بعدد من المعتقلين ممن كانوا مدمنين على المخدرات في منطقة الساحل إذ اعتقلت السلطة جميع أصحاب السوابق الجنائية (مخدرات .. سرقة .. تهريب .. إلخ) خشية انضمامهم لمجموعة (أبو علي الجندي) الذي كان على هذه الشاكلة (من أصحاب السوابق الجنائية) واستطاع أن يجمع حوله ممن يسمون بمنطقة الساحل (عقدًا - زكرتية) ومنَّ الله عليهم بالهداية وراحوا يقاومون السلطة.
بل وجد بين سجناء تدمر بعض النصيريين، أذكر منهم شخصين: أحدهما متطوع بالوحدات الخاصة ويدعى سجيع الناصر، وهو متهم ببيع أسلحة للإخوان المسلمين، والآخر على علاقة بمجموعة من المهربين وأصحاب السوابق في منطقة الساحل، ويدعى عصام سلوم، وكان موجودًا بمهجع الأحداث، ووجد أيضًا بعض النصارى، منهم شخص من بيروت الشرقية متهم ببيع أسلحة للإخوان، وشخص آخر من لبنان وكان في المهجع 19 لم أعرف تهمته، بل وحتى سيدة نصرانية من مدينة حمص، متهمة بتأمين جواز سفر لأحد الأشخاص، مما ساعده على الفرار خارج البلاد، ومع الوقت كانت تتناقص نسبة الإسلاميين نتيجة عمليات الإعدام، وبالعكس تزداد نسبة من كانوا على هذه الشاكلة من السجناء. ولا ننكر أن الكثيرين منهم قد تابوا وأنابوا إلى الله خلال فترة سجنهم، وتغيرت أحوالهم، وصقلتهم وهذبت أخلاقهم المحنة، وظل بعضهم على حالته السابقة، وإن كان يصلي ويصوم ويحفظ القرآن، وأثناء فترة التعذيب الممتدة من منتصف عام 1980 وحتى نهاية عام 1982 كانت المحنة توحد جميع السجناء، لذلك لم يكن لحظوظ النفس أي اعتبار عند الجميع، أما الآن، وبعد زوال التعذيب، فقد تغيرت الأحوال، يضاف إلى ذلك الظروف القاسية التي تتطلب صبرًا وخلقًا رفيعًا، فالازدحام الشديد داخل الزنزانات، وقلة لوازم الحياة الضرورية، وغيرها من الشدائد التي تتطلب التحلي بالصبر والتضحية والإيثار، كل ذلك أدى لكشف عيوب البعض من ضعاف النفوس، وظهرت حظوظ النفس عند البعض، كالأنانية، وحب الزعامة، وحب الشهرة،