فهرس الكتاب
وغيرها .. وهذه أمور قد تكون عادية، لكن المخيف نسيان بعضنا بين عشية وضحاها كل ما لحق بنا من ظلم وقهر على أيدي زبانية السلطة، وكأنهم تعرضوا لعملية غسل دماغ، والجلادون ربما يقصدون ذلك، كما قال لي القاضي أثناء المحاكمة، ولكن تصرفاتهم كانت تنم عن حقد ولؤم.
ودخل السجناء مرحلة جديدة لم تكن متوقعة، فراح البعض يشي بإخوانه لزبانية السجن دون تكليف أو دفع منهم، لأنهم أساسًا لا يثقون بأي سجين مهما أظهر ولاءه لهم، كما ظهرت رعونة الآخرين الذين تسببوا بإيذاء إخوانهم، فمثلًا قال أحدهم ذات مرة للشرطة: إن فلانًا يلقي محاضرة دينية في المهجع، فكان ذلك سببًا لإيذائه، وآخر قال للجلادين: إن فلانًا قال لي عليك أن تعاملنا معاملة إخوانية، فنحن هنا إخوان .. وهكذا، وفي كل مرة كانت الوشايات تتسبب بجر الأذى لعدد من السجناء، وليت الأمر اقتصر على هذا الحد، بل هدد أحد الزبانية عندما سمع (معاملة إخوانية) بأنهم على استعداد لإعادتنا لفروع المخابرات للتحقيق معنا ثانية، وكم نصحنا إخواننا بالكف عن تلك التصرفات الرعناء، فأكثرنا دخل السجن بسبب كلمة قالها، أو قيلت أمامه، أو قيلت بحقه، فنحن سجناء سياسيون، والكلمة لها اعتبار كبير، ولكن دون جدوى، فصار لزامًا علينا أن نحترس من العدو الداخلي، ومن هو ذلك العدو؟ أنفسنا نحن، إنهم إخوة منّا، يشاركوننا آلامنا وأحزاننا منذ عدة سنوات، وكم قلت لإخواننا: إن كل واحد منّا قد قضى مع إخوانه ردحًا من الوقت، فنحن نقضي مع بعضنا 24 ساعة متواصلة، نأكل ونشرب وننام ونجلس ونتحدث ونذهب للحمام والحلاقة، ونتلقى التعذيب مع بعضنا، وهكذا، كل شيْ والله تعالى يسأل عن صحبة ساعة، كما ورد في الحديث الشريف: (والساعة مطلق من الوقت) فكيف بهذه الصحبة التي تساوي آلاف الساعات، وانقلبت الموازين فصار العدو صديقًا والأخ عدوًا بين عشية وضحاها، كل ذلك جعلني أتساءل: هل نحن مزاجيون لهذا الحد؟ هل تهزمنا المظاهر فتنسينا حقائق الأمور؟ هل صحيح أن ذاكرتانا ضعيفة أو معدومة فلا نعرف إلا يومنا، وننسى الماضي القريب؟ هل يستطيع أعداؤنا تحقيق أهدافهم بسهولة؟ بل أبعد من ذلك، يستطيعون الوصول لأهداف لم يفكروا بها أصلًا؟ ما سبب ذلك؟ هل هو نفسيتنا أم انعدام الوعي عند بعضنا أم الاثنان معًا أم عوامل أخرى؟
كنت أفكر بعمق، وأكاد أتمزق من الغيظ، وأتساءل: كيف يفكر إخواننا أصحاب تلك التصرفات؟ هل وصلت بهم الحماقة إلى هذا الحد؟ وكم كنت أصارح إخواني الموثوقين، وأقع في الغيبة، عندما أصف أولئك الناس بالحماقة والرعونة؟ وكم حذرني إخواني قائلين: اتق الله يا رجل ودعك من الغيبة. وأتذكر قوله تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرًا) .
الإفراج: أ - الخروج من سجن تدمر: