فهرس الكتاب

الصفحة 575 من 711

رغم ظلام المحنة وانعدام الأمل بالإفراج عنا خلال السنوات الأولى (1980 - 1981 - 1982) كان يتملكني شعور داخلي بأن الله سيفرج عني يومًا ما، واستقرت في نفسي ضرورة تأريخ تلك الفترة والمحنة، لتدخل تاريخ أمتنا الإسلامية المعاصر من أوسع الأبواب، ولكم قلت لإخواني معزيًا عند اشتداد الكرب: لا تحزنوا، فإنكم تكتبون التاريخ، إن ما يجري معنا الآن سيدوّن يومًا ما في سجله، وستضيفه الأجيال من بعدنا إلى رصيدها الجهادي.

وما مرّت مناسبة إسلامية كعيد الفطر أو عيد الأضحى المبارك، أو أي مناسبة إجرامية أخرى كمناسبة 8 آذار أو 16 تشرين ثاني ذكرى ما يسمى بالحركة التصحيحية النصيرية إلا توقعنا الفرج، ولكن .. طال الانتظار، مما جعلني أوطّن نفسي على أن المحنة قاسية، وسنوات السجن ستطول، رغم شعوري الداخلي بأنني سأخرج يومًا ما.

ومع تباشير الانفراج، ذهبت بأخوتنا التعليقات والتلميحات كل مذهب، وتوقع أكثرنا إرهاصات فرج قريب، وتصرف أولئك الأحبة على هذا الأساس، لكنني لم أتجاوز حد التصرف المعقول، خشية أن أصاب بالإحباط، إذ تعلقت بآمال لا تتحقق بهذه المناسبة أو تلك.

ومع إخلاء سبيل بعض الأخوة، كانت أنظار البقية تتعلق بفرج قريب، ولربما كفّ بعضهم عن تناول الطعام في ذلك اليوم، أو بقي مستيقظًا طوال الليل، منتظرًا قدوم الحراس ليقرءوا اسمه، أما أنا، فكنت أتصرف بصورة عادية، لأنني ما أزال رهن الاعتقال، وأسأل الله الفرج العاجل لي ولبقية إخواني.

وأخيرًا، وبعد طول انتظار، جاء الجنود بقائمة أسماء، منها اسمي، ودّعت إخواني وخرجت من المهجع، لألتقي عددًا آخر من السجناء، جمعوا من المهاجع الأخرى، وأخذنا السجانون إلى ساحة القلم (ساحة الإدارة) وهنا فوجئنا بدورية المخابرات، مع دفعة جديدة من المعتقلين، في حفلة استقبال رهيبة في باحة التعذيب!! أوقفنا جانبًا ننتظر، ونحن نسمع صراخ المعذبين، فتذكرنا يوم دخولنا هذا المكان اللعين، قبل عدة سنوات، وسألنا الله لإخواننا الفرج.

فتشنا زبانية السجن بدقة، وبنفس الطريقة عند دخولنا السجن، وأوقفونا جانبًا في انتظار أن ينتهي المساعد المسؤول عن السجل من تخريجنا من السجلات، وقرأت أسماؤنا، وجاء رجال المخابرات يحملون القيود والعصابات (الطماشات) التي قتلت في نفوسنا أمل الخروج من السجن بشكل مشرف، وسيطر الغم على بعضنا، ولكنه أمرًا اعتياديًا لي.

كانت القيود هذه المرة أخف من المرات السابقة، فقد ربطت يد أحد السجناء بيد سجين آخر، وبقيت الأخرى حرّة، ووضعت العصابات على وجوهنا بشكل ضاغط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت