فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 711

صعدنا السيارة العسكرية الخاصة بنقل السجناء، وجلسنا في داخلها، وجلس شخصان من عناصر المخابرات، (ويبدو أنهما من المجندين المغلوبين على أمرهم) خارج صندوق السيارة، على مقعدين متقابلين بمؤخرتها، وكانا في غاية اللطف، وبدا عليهما إشفاقهما علينا، لذلك بادلناهما مشاعر الشفقة، لما نالهما من البرد أثناء تلك الرحلة، لأنهما يجلسان في مكان مكشوف في مؤخرة السيارة.

كان الجو بارًا، لأن الحرارة تنخفض ليلًا في الصحراء، قال لنا أحدهم: يمكنكم فكّ الطماشات عن عيونكم، لأنها تضغط كثيرًا، ففعلنا ذلك. وبجانبي جلس شيخ عجوز، أعلمني أنه مزارع، ومنظره يثير الشفقة والتساؤل: لماذا أقدم المجرمون على اعتقال هؤلاء المساكين الذين لا يعرفون من أمور السياسية شيئًا.

أخذ ذلك المسكين يسألني: إلى أين نحن ذاهبون؟

قلت له: من أجل إخلاء سبيلنا إن شاء الله.

قال لي: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا القيود والعصابات إذًا؟

أجبته: إننا ما نزال رهن الاعتقال، وهؤلاء (أفراد دورية المخابرات) لا يعرفون إلى أين نحن ذاهبون.

عاد فسألني بالتحديد: إلى أين ذاهبون؟

قلت له: إلى فرع المخابرات الذي اعتقلنا، وربما مكثنا هناك بعض الوقت، ثم يخلى سبيلنا.

كان ذلك المسكين خائفًا، لأنه ظن أننا ذاهبون إلى سجن آخر، أو لإعادة التحقيق معنا، أو للإعدام، وكرر عليّ نفس الأسئلة، وحول نفس الموضوع، فأعدت شرح الإجابات السابقة.

لقد فقد أكثر السجناء القدرة على التفكير الصحيح، والتوجّه السليم، كما فقد أكثرنا أي بارقة أمل، فلا يرى الأمور إلا منظار التشاؤم، نتيجة ما لاقيناه خلال سنوات السجن، وظن بعضنا أن الذين يخرجون لإخلاء سبيلهم، إنما يؤخذون للإعدام، وظن آخرون العكس.

رحنا نتحدث عن السجن، وأسباب اعتقالنا، والمدة التي قضيناها، حتى وصلنا إلى المدينة، بعد أن عانينا الكثير نتيجة البرد والآلام التي سببتها تلك المقاعد المزعجة.

أثناء الطريق، توقف الموكب عدة مرات، لينزل رئيس الدورية مع بعض عناصره لاحتساء الخمر، ثم كانوا يتابعون السير بعد أن يكونوا قد شربوا حتى الثمالة، وعندما وصلنا إلى مدينتنا، بدأنا نشاهد الأنوار والأبنية، فتدافعت عندها الأفكار إلى أذهاننا، واختلطت بالمشاعر المتناقضة، فنحن خائفون، لأنه عما قريب سندخل فرع المخابرات، ذلك المكان اللعين الذي لا نعلم ما ينتظرنا فيه، ونحن متفائلون، فلدينا أمل كبير بأننا سنكون أحرارًا، نسير في هذه الشوارع طلقاء.

قلت لإخواني داخل السيارة: ها نحن وصلنا إلى مدينتنا .. عليكم أن تعيدوا العصابات كما كانت، وإلا تعرضنا لما لا تحمد عقباه من زبانية الفرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت