فهرس الكتاب
ب - الوصول لفرع المخابرات: أعدنا وضع العصابات قبل دخول السيارة إلى الفرع بفترة وجيزة، وسيطرت الرهبة على الجميع، هناك دعوت الله في نفسي: (اللهم إني أعوذ بك من شر هذا المكان وشر ما فيه) .
أوقفت السيارة، وراح زبانية الفرع ينزلوننا منها، ليستقبلونا باللكم واللطم والرفس، فرحنا نصرخ قائلين لهم: نحن أبرياء، جئنا إلى هنا كي يفرج عنّا. فيكون جوابهم مزيدًا من الضرب، مع الشتم بأقذع الألفاظ وأفجرها، فهم لا يعرفون غير ذلك (قل كل يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا) .
بعد ذلك، قام الزبانية بتفتيشنا، وأصيب بعضنا بالجروح والنزيف (من الأنف والفم) وهذه أمور اعتدنا عليها كثيرًا خلال سنوات سجننا، فدعونا الله أن تكون هذه آخر مرة نضرب فيها ونهان، وبعدها نزلنا للقبو (السجن) فأدخلونا إحدى الزنزانات الفارغة، وتركونا وانصرفوا.
الساعة تقارب الثالثة بعد منتصف الليل، المكان بارد، لا وجود للبطانيات أو أية مفروشات على الأرض، فرشنا بعض ملابسنا البالية التي نحملها معنا من السجن، وحاولنا أن نرقد قليلًا بعد أن أعيانا التعب والضرب، وأنّى لنا ذلك؟
في صباح اليوم التالي أحضر لنا الزبانية عدة بطانيات، ففرشناها على الأرض، ثم أحضروا لنا طعام الإفطار، فأكلنا وحمدنا الله، وسألناه أن يقطع نصيبنا من ذلك المكان.
ج - العودة إلى التحقيق: إن الذي يتعرض للاعتقال لأسباب سياسية، يبقى ضمن دائرة التحقيق ما دام معتقلًا، وكلما انتهى من فصل، واجه فصلًا جديدًا. وهكذا حتى يخرج من السجن، ليبدأ نوع آخر من التحري والاستقصاء. أي أن الذي اعتقل ولم تثبت إدانته بأية تهمة، فالمجرمون لا يثقون بتلك النتيجة التي توصلوا إليها، فالأصل عندهم: أن كل متهم مدان حتى يثبت العكس، وهذا لا يتحقق إلا إذا أثبت الشخص ولاءه لهم (أي إذا أثبت أنه مواطن صالح حسب تعبيرهم) وهذا لا يكون إلا إذا أصبح مخبرًا لهم، عندها ترفع عنه التهمة، وإلا فهو ضمن دائرة الاتهام، وعليهم أن يجتهدوا لإيجاد أية شبهة يتمسكون بها لإيقاعه، سواء من خلال التحقيق، أو جمع المعلومات عنه من الآخرين المخبرين، أو المعتقلين الجدد.
وإذا لم يتوصلوا لأية نتيجة بجميع الطرق، فالشبهة قائمة مدى الحياة على من اعتقلوا، لتكون لهم سابقة تبرر إعادة اعتقالهم عند حدوث أية اضطرابات بالبلاد، وهم المعروفون بأصحاب السوابق، وبناء على تلك القاعدة، أقام الطغاة جميع تصرفاتهم مع الشعب.