فهرس الكتاب
نحن الآن ما نزال بين أيديهم، وما عليهم إلا أن يعيدوا التحقيق معنا وبأساليب أخرى، لعلهم يعثرون على جديد، وبالطبع لن يكون التحقيق هذه المرة بنفس أسلوب المرة الأولى، قد يكون أكثر معقولية ورحمة.
أحضر لنا الزبانية عدة أوراق، تتضمن عددًا من الأسئلة للإجابة عليها، وتتعلق بأسباب الاعتقال، مثل: ما هي الأسباب التي أدت لتوقيفك؟ (إذ الكلمة المستعملة بدل الاعتقال هي التوقيف) ومتى وأين وكيف أوقفت؟ من هم الأشخاص الذين كانوا معك بنفس القضية؟ متى ذهبت للسجن؟ وكيف قضيت هذه الفترة هناك؟ ماذا تنوي أن تعمل بعد إخلاء سبيلك؟
والمجموعة الثانية من الأسئلة تتضمن المعلومات الذاتية المتعلقة بالشخص، مثل: الاسم والعنوان والمهنة ومحل وتاريخ الولادة، مع استمارة بجميع أسماء الأقارب حتى الدرجة الثالثة، مع عناوينهم وأعمالهم وانتماءاتهم السياسية .. إلخ ..
بدأت بالإجابة على الأسئلة، ولكني توقفت عند السؤال الأول، فأنا لا أعرف بالضبط لماذا تم اعتقالي؟ وأخيرًا كتبت: إن فلانًا افترى عليّ (الشخص الذي اعتقلت بسبب معرفتي به) وكذلك كتبت اسم ذلك الشخص بأنه كان معي بنفس القضية، لأن المحققين قالوا لي: إنه معتقل، وإنه قد اعترف علي.
أما بقية الأسئلة، فقد أجبت عليها دون صعوبة، وقدمت الأوراق لهم، بعدها جاء دور التحقيق الشفهي، وراح الزبانية يتلون أسماءنا واحدًا تلو الآخر، ويدخلوننا إلى غرفة التحقيق، ولم تكن علينا الأصفاد والعصابات ذلك الوقت، وكان يجلس السجين مقابل المحقق، أمام طاولة المكتب، فينظر المحقق إليه ويسأله حسب قضيته، وربما استرسل بالكلام مع بعضنا، واختصره مع الآخرين، وقد شجّع البعض بكلامه معهم أو ثبط الآخرين مظهرًا حقيقته القمعية كرجل مخابرات، وذلك حسب نوعية المعتقل، وفي كل الحالات يحاول التلاعب بأعصاب المعتقل، فالمسألة هي حرب نفسية بحتة، ومن الذي يدير الحرب النفسية؟ أليست هي أجهزة المخابرات؟
بالنسبة إليّ فقد وجهت لي الأسئلة التالية:
-متى أوقفت؟ أجبته منذ ...
-لماذا أوقفت؟ قلت له: لا أعرف، ولكنكم قلتم لي: إن فلانًا قد اعترف عليّ، وأنا لا أعرف ماذا اعترف عليّ.
-من هم الأشخاص الذين أوقفوا معك؟ قلت له: فلان.
فكّر مليًا وقلّب الأوراق الموجودة أمامه، ثم قال: نعم ..
-وعاد وسألني: أين هو فلان الآن؟ قلت له: موجود عندكم.