فهرس الكتاب
-نظر إليّ بشزر قائلًا: وكيف عرفت ذلك؟
قلت: أنتم قلتم لي ذلك، وأنني قد أوقفت لاعترافه عليّ.
فعاد يقلّب الأوراق أمامه لإيهامي بمعرفتهم لكل شيء، وربما كان لا يعرف القضية أساسًا، لعدم مشاركته بالتحقيق، فصوته لم يكن مألوفًا لديّ، أو أن القضية قد صارت من منسياته لتقادمها.
قال لي: طيب هل ذهبت إلى المحكمة؟
قلت: نعم.
قال: وماذا حكمت؟
قلت: لا أعرف.
قال: كيف ذلك؟ قلت: إن القاضي لم يقل شيئًا، بل طلب مني الانصراف فقط.
تأملني مليًا وقال: تفضل. أي اخرج إلى زنزانتك.
وهكذا انتهت المقابلة، وانتهى التحقيق، وكان آخر ما تعرضت له، ولم أعرف تقييمهم للموقف، فهم يريدون مقارنة اعترافاتنا أثناء التحقيق أول مرة، مع اعترافاتنا الآن، لعلهم يعثرون على أي جديد.
لقد بدا على المحقق الغبط والحنق والحيرة، لذلك اختصر الكلام معي كثيرًا، وربما شعر أنه لن يستطيع خداعي، فيستفيد مني، بل على العكس فكل كلمة يقولها لي قد تفيدني، وهذه هي عادة ضباط المخابرات، فكل شيء عندهم له حسابه، فإذا احتاجوا لرمي الطعم كي يحصلوا على صيد ثمين، فعلوا، وإلا فإنهم لا يرمونه إذا شعروا أن الضحية ستأكله دون الوقوع في الفخ، وهكذا كان تقييمي .. قلت في نفسي (موتوا بغيظكم) .
دامت المقابلة عدة دقائق، خرجت بعدها لإخواني أحدثهم بما حصل، وقد سيطرت علي الرهبة، لأن الجلادين ما زالوا عند قناعتهم، ولكنهم لم يستطيعوا استخراج ما عندي، فما الذي يمنعهم من إعادتي للسجن (46) .
سألت الله السلامة، وطلبت من إخوتي الدعاء، فطمنني الإخوة قائلين: إن هذا أمر عادي، فأجواء المخابرات كلها إرهاب، هل تنسى أنك أمام أحد الجلادين؟ وهل يستطيع المجرمون تغيير طبيعتهم الإجرامية، هل يصبح الذئب حملًا أو الثعلب غزالًا؟ وهل تصبح الأفاعي والعقارب حمامات مسالمة؟ كلا! ... ثم قال لي: ألا تسمع أصوات المعذبين التي لا تنقطع في ليل أو نهار؟ هذه هي طبيعة المجرمين، ولن يغيروا من طبيعتهم مهما حاولوا، فهم يريدون أن يمنّوا علينا بالإفراج، ويريدون إقناعنا بأنهم يفعلون ذلك تكرمًا.