فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 711

وبعد أيام من المقابلة، استدعيت ثانية، وطلب مني التوقيع على ورقة لم أعرف محتواها (وهذه هي عادتهم) وفي اليوم التالي استدعيت لتسلم أغراضي التي سرق بعضها في قسم الأمانات، وتلك هي أمانتهم!! قال لي أحدهم: ندفع لك ثمن الأغراض المفقودة؟ فشكرتهم على أريحيتهم!! فالحرية والخلاص منهم لا يعدلهما شيء.

جاء الحلاق يومها، وحلق لنا جميعًا، لأن حلاقة سجن تدمر تشبه حلاقة الماعز والغنم، وعندها صرنا جاهزين للخروج إلى العالم من جديد.

الخروج من السجن: وفي المساء، قرأ أحد الجنود أسماءنا، وأخبرنا بإخلاء سبيلنا، قائلًا: اجمعوا أغراضكم لتخرجوا من هنا، فخرجنا إلى غرفة كبيرة خارج السجن، لنجتمع هناك بأهلنا الذين كانوا في انتظارنا، وحضر رئيس الفرع (وهو من الدمى المعروفة ببلدنا، لأنه لا يملك سوى الإجراءات الشكلية) وألقى كلمة تثير السخرية والاشمئزاز والتي اعتدنا سماعها في طل مناسبة نلتقي فيه بأزلام السلطة، سواء أكانوا ضباط مخابرات أم ضباط شرطة أو غيرهم. الكلمات نفسها يرددها الجميع دائمًا، وبعدها خرجنا من الفرع، فكان في انتظارنا جمع كبير من الناس عند الباب، لأن المخابرات أعلموا ذوينا بذلك، فجاءوا لاستقبالنا، وانتشر الخبر بالبلد، فجاء ذوو المعتقلين ينتظرون عند الباب، وسمح لعدد محدد من ذوي المعتقلين المفرج عنهم بالدخول، أما الباقون فظلوا واقفين في الشوارع مدة طويلة، وربما منذ الصباح، ولكن الظالمين خيبوا آمالهم، فكان عددنا لا يستحق الذكر، مقارنة بعدد المعتقلين من أبناء مدينتنا.

ها أنذا أجد نفسي حرًا طليقًا أسير في الشارع، لا يستطيع الإنسان وصف مشاعره في تلك اللحظات، فقد اختلطت مشاعر الفرح بالحزن، فأنا فرح بأن الله منَّ عليّ بالحرية بعد سنوات من الأسر، عانينا خلالها ما لا يعلمه إلا الله، ونحتسب ذلك عنده، وبنفس الوقت، أنا متألم على إخواني الذين ما زالوا أسرى بيد عدو لئيم حاقد .. وأما الذين استشهدوا، فقد تخلصوا من ظلم الأرض وجورها، ونحسبهم إن شاء الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولكن، أليس لهم أهل وأولاد وإخوة وآباء وأمهات؟ ما حال أولئك المساكين وقد حرموا أبناءهم وهم يجهلون مصيرهم؟ ما ذنبهم أن يعيشوا سنوات عجافًا طويلة ينتظرون وينتظرون، يتجرعون مرارة الأسى، دون نهاية لتلك الأحزان؟ إنها مأساة حقًا .. وراودني شعور بالخوف، فالطغاة لا أمان لهم، وقد نعاد للسجن بين عشية وضحاها، فالعصابة الحاكمة لم تتغير، والظلم والجور ما زالا قائمين فوق رقاب العباد، ومن يمنعهم من اعتقالنا ثانية؟ (لا أحد إلا الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت