فهرس الكتاب
وأعود فأسال نفسي: هل أسمح للظالمين باعتقالي ثانية؟ أما يكفينا ما شاهدناه؟ لقد تعلمت الدرس، وقرأت على جدران السجن مرات ومرات العبارة الآتية: (قد يدخل العاقل السجن مرة، ولكن لا يدخله مرتين) .
من السجن الصغير إلى السجن الكبير:
عند باب الفرع ركبنا السيارة التي اتجهت بنا إلى البيت، وكان في انتظاري عدد كبير من أقاربي الذين جاءوا لمعانقتي، والسلام عليّ، فحذرتهم .. مهلًا .. مهلًا .. قالوا لماذا؟ قلت: لا تلمسوني حتى لا تصابوا بالجرب!! ثم تداركت، فلعل بين الحاضرين أحد المخبرين .. تمهل تمهل (قلت في نفسي) لا تتكلم .. ألم تتعلم الدرس؟!
فطلبت منهم إحضار الدواء من الصيدلية المناوبة، وعليّ أن أدخل الحمام لاستبدال ملابسي، ووضعه على الجسم بعد الاستحمام (47) ، فاستحممت ثم وضعت الدواء، وخرجت فجلست جانبًا وطلبت التعرّف على الحاضرين حتى أطمئن لخلو البيت من المخبرين، فعرفت أن الجميع أقاربي، وأدركت أيضًا أن الزمن قد سبقني كثيرًا، وتغيرت الدنيا من خلال فترة غيابي في السجن، إذ مات من مات، وولد آخرون، وتزوج غيرهم وهكذا ..
إذن لا وجود للغرباء، الجميع متلهفون ليسمعوا مني، وبادرني بعضهم بالأسئلة عن مجزرة سجن تدمر، وعن التعذيب، والأمراض المنتشرة بين السجناء وعمليات الإعدام وغيرها وغيرها.
وباتت جميع أخبار السجن معروفة للجميع، بسبب أخوتنا الذين أفرج عنهم قبلنا، فقلت لهم: إنكم تعرفون كل شيء، محاولًا التملّص من الإجابة، وأمام إلحاحهم الشديد، أخذت أقصّ عليهم ما حصل معنا، الجميع جلسوا مشدوهين، وكلما تعرضت لإحدى المنعطفات المؤلمة، وما أكثرها (حفلة استقبال، تعذيب، إعدام، موت بعض السجناء تحت التعذيب) رأيت الجميع يدعون إلى الله أن ينتقم من الظالمين، وبعضهم يحوقل ويسترجع، وربما راح بعضهم يبكي. حتى أنهيت كلامي، وجاء دور الأسئلة المحرجة: هل التقيت فلانًا من المعتقلين؟ هل صحيح أن فلانًا قد أعدم؟ ماذا أجيبهم؟ إذا كنت متأكدًا أن ذلك المعتقل قد انتقل إلى الدار الآخرة؟ هل ألجأ للفّ والدوران (كما يقال) أم أكون صريحًا أم أتملّص من الإجابة؟ ومن يدري فقد تجر عليّ الإجابة كارثة جديدة؟ صحيح أن الجميع من أقاربي، وأنا مطمئن من هذه الناحية، ولكن من يدري أن الجميع يستطيع حفظ لسانه؟!! وأعود فأتذكر ما تعرضت له قائلًا في نفسي: ألم أتعلم من تجربتي؟ أم تراني أكون ممن قال فيهم الشاعر:
من لم تفده عبر الأيام كان العمى أولى به من الهدى