فهرس الكتاب
صحيح أنني مطمئن للحاضرين، ولكن ألا تقول القاعدة (يؤتى الحذر من مأمنه) إذًا لا ينبغي الاطمئنان، بل يجب الحذر في جميع الأحوال.
رحت أجيب على الأسئلة بحذر، مع شيء من التورية أحيانًا، ومع ذلك، فلقد عزمت أن أقول الحقيقة كاملة، عندما تتهيأ لي الظروف المناسبة، كما حصل مع إخواني الذين أخلي سبيلهم قبلي ..
طلبت من الحاضرين ألا يحرجونني بالأسئلة، فإن ما شاهدته وما عانيته يفوق الوصف، كما رجوتهم مراعاة ظروفي، وكأنما كانت كلماتي بمثابة ضوء أخضر لجدتي التي كان الجميع يهابون سطوة لسانها (شأن كل العجائز ببلادنا) فراحت تتكلم بقسوة مع الذين وجهوا إليّ الأسئلة، قائلة لهم: هل تريدون أن يعود ثانية للسجن؟ لماذا تسألونه عن زيد وعبيد؟ ما شأننا بهم؟ دعوه، فهذه أمور لا تعنينا.
وبالطبع أنا لا أؤيدها فيما ذهبت إليه، فكل شأن يعنيني، فأنا لست محايدًا بالنسبة لتلك الأمور، ولكني كنت أود الاستفادة مما تعلمته، أي أن أقول ما أريد بقدر وحذر. لقد علمني السجن كيف أتصرف.
وهكذا مرت الأيام الأولى، فالزيارات الكثيرة من الأقارب والمعارف وذوي المعتقلين الذين يريدون معرفة مصير أبنائهم المغيبين في غياهب السجون منذ سنوات، وكم كنت محرجًا عندما أسأل عن أخ قد استشهد، فماذا أقول لأقاربه؟ خاصة إذا كان بين السائلين والدته أو زوجته؟ هل يمكنني قول الحقيقة فتكون الطامة الكبرى؟! طبعًا لا .. كنت أتلافى الإجابة المباشرة بالتورية، وكأن أقول لهم: لم ألتق به، أو لم يكن معي بالمهجع، ورغم ذلك، كنت أقول الحقيقة، عندما تسمح لي الظروف، كأن ألتقي بأحد أقاربه البعيدين، أو معارفه، أو إذا كان السائل رجلًا.
وهكذا قضيت أسبوعين تقريبًا، كنت خلالهما مدللًا محمولًا على الأكف كما يقال، وأجريت خلالها العلاج الطبي لبعض الأذيات التي أصبت بها خلال السجن، وإن كان بعضها قد خلقت آفات دائمة، ولكني والحمد لله ما أزال أتمتع بكامل صحتي وقواي العقلية والآن جاء وقت الجد، وعليّ أن أعود لعلمي ثانية، حتى تسنح لي الفرصة بالخروج من السجن الكبير.
وعندما بدأت بالذهاب للعمل، وممارسة حياتي العادية، شعرت أنني في سجن كبير فعلًا، أكثر الأخوة الذين أعرفهم غابوا، إما داخل السجون، أو استشهدوا، أو فروا خارج البلاد، والذين ما زالوا داخلها قد سيطر على أكثرهم الخوف، فهم يحاولون تجنب الاتصال بي، ولو بطريق الصدفة، وكأنهم لا يعرفونني، فأحسست بالعزلة، فكأنني صرت منبوذًا.