فهرس الكتاب
المخبرون يحيطون بي من كل جانب، وهذا ما كشفته بنفسي، وعرفه الآخرون أيضًا، وأعلموني به، حيثما أذهب أعاني من هاجس المخابرات، كلما سمعت ضجيج الأبواب أتذكر ساعة اعتقالي، وهنا أذكر ثلاث حوادث جرت لي في تلك الفترة:
الحادثة الأولى: عندما كنت أسير في أحد الشوارع، توقفت عند بقال من معارفي، سلمت عليه، وسألني بضعة أسئلة، ثم طردني قائلًا: تفضل انصرف من هنا، كمن يطرد لصًا، فانصرفت دون معرفة السبب، هل خيل له أن أحد المخبرين يلاحقني؟ أم شاهد شخصًا يشكّ أنه من المخبرين؟ أم فكّر مليًا فعرف خطورة الاتصال بي؟ أم أسباب أخرى؟. ومع ذلك فقد تأثرت كثيرًا دون أن أجرؤ على أن أنبس ببنت شفة!!
وحادثة ثانية مشتبهة، جلست عند أحد معارفي في داخل حانوته أحدثه عما حصل معنا، وكان متشوقًا ليسمع مني تلك الأخبار، وبينما هو يحضر لي كوبًا من الشاي إذ شاهد فجأة أحد الأشخاص يقترب من محله، فطلب مني الخروج والانصراف بسرعة، فسألته عن السبب، قال لي: إن ذلك الشخص من المخابرات، أرجوك ألا تؤذيني، وأي أذية تلك!! فخرجت من محله وابتعدت.
الحادثة الثالثة: عدت مساءً إلى البيت ذات يوم قافلًا من السوق في حاجة لي، فإذا بي بسيارة السجن المخصصة لنقل السجناء تقف عند مدخل الشارع الذي أسكن فيه، وعلى بعد 30 مترًا من بيتنا، قلت في نفسي: أنا المطلوب، لقد جاءت هذه السيارة إلى هنا لاعتقالي، فابتعدت عن البيت، ورحت أراقبها حتى غادر جميع أفراد الدورية المنطقة، وانصرفوا (صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون) فدعوت الله أن يصرفهم عني، فلا أراهم بعد اليوم.
وأما عن المخبرين الذين كانوا يتعمدون مقابلتي، والحديث معي، وخاصة بمكان العمل، فحدّث عن ذلك ولا حرج، فلا يكاد يمر يوم واحد دون مقابلة أحدهم، وكل شخص منهم يأتي إلي يحدثني بقصة جديدة .. فهذا يدعي أنه كان بالسجن الفلاني بتهمة كذا وكذا، وأنه قضى هناك عدة أشهر .. وادعى بعضهم أنه قضى بالسجن خمس سنوات، وذاك كان نزيل سجن تدمر في الزنزانة رقم كذا، وآخر كذا وكذا، وبالطبع فقد أصبحت ألاعيب القوم وتمثيلياتهم مكشوفة لي، بل إنني صرت خبيرًا بها، فكنت أستمع لأولئك الناس، وأشاركهم الحديث، حتى لا يفهموا أني كشفت أمرهم، وكنت أحترس في الكلام، فلا أتكلم أية كلمة يمكن أن تكون ممسكًا علي.
وصار عليّ أن أحترس بتعاملي مع الناس، وأن أجامل أولئك الأوباش، لئلا يستاء مني أحدهم، فيكتب ضدي تقريرًا كاذبًا يقودني إلى السجن ثانية، فهم ينتظرون أن يسمعوا مني كلمة، لأنهم حساسون جدًا، إذ يكفي أن يذكر اسمي عندهم، ليأمروا باعتقالي، لذلك كنت أدعو الله أن أكون من المنسيين عندهم.