فهرس الكتاب
ومما لا أزال أذكر من قصص الإعدامات المؤثرة - وأيًا منها لا يؤثر في صم الحجر! - قصة طبيب أسنان من حلب من بيت قره علي كان معتقلًا مع عديله. ولقد تم الإفراج عن هذا الأخير بعد واسطات شديدة كما يبدو، وبقي الأول ينتظر ويرجو.
وفي صبيحة يوم من تلك الأيام التعسة نودي اسم الأخ فظن أن إذْنَ إخلاء سبيله قد تم. وأنه سيغادر الآن للقاء أهله من جديد. وكان المسكين يرتدي حين اعتقاله طقمًا سارع حينما سمع اسمه فارتداه. وأخرج ساعته الذهبية فارتداها أيضًا. وجعل ينفض عن كتفيه الغبار ويحاول أن يمشط شعره ويحسن من هيأته وكل الظن أنه خارج إلى الحرية الآن. فلما خرج كانت المشنقة في انتظاره حقيقة الأمر. وكانت صدمة لنا جميعًا بقيت تؤرقنا ردحًا من الزمان.
الجرب
وطالت المحنة كل أوجه هذه الحياة المرّة. فمع ازدياد العذاب والإعدامات انخفضت كمية الطعام المقررة للسجناء رغم أنها لم تكن تكفي لتقيتنا بالأصل. وصارت إدارة السجن تتعمد قطع الماء عنا حتى أننا عانينا خلال صيف ذلك العام شهرًا كاملًا من غير ماء. وكان موردنا الوحيد عن طريق بيدونات يملؤها الشرطة لنا وقتما شاؤوا وبالعدد الذي يريدون. وقتذاك عمت القذارة المهاجع غصبًا عنا وباتت رائحتها لا تطاق. ولم يلبث أن تفشى الجرب بيننا وانتشر انتشارًا كبيرًا كنت أنا نفسي واحدًا من ضحاياه.
والجرب كما هو معلوم مرض جلدي يصيب الإنسان بحكة شديد في جلده سرعان ما تؤدي إلى تورمه وتقيحه .. وليس هناك مكانًا محددًا يكتفي به هذا الداء. فمن الممكن أن يصيب الرجلين واليدين والصدر والظهر والمحاشم ذاتها. وعلاوة على الألم الشديد الذي يسببه الجرب فإن انتقاله بين الناس المتجاورين أمر محتم. ولو لم يعالج المصاب فقد يموت من المرض. ولقد حدث ذلك في مهجعنا 26 الذي انتشر الجرب فيه مثلما انتشر ببقية المهاجع. ولا أزال أذكر كيف دهم هذا المرض أخًا من دير الزور اسمه عبد الكريم الصالح، فالتهب جلده كله وانتفخ، وظل يعاني قرابة الشهر يصيح من شدة الألم وليس بيدنا شيء نقدمه لنخفف عنه إلا الدعاء. وعندما أبلغ رئيس المهجع الشرطة بحاله وكرر عليهم البلاغ لم يزيدوا عن أن أمروه أن يكف عن الشكوى وأن يتركه في المهجع ليموت!
لكن تزايد الإصابات وانتشار المرض في المهاجع الأخرى جعل إدارة السجن بعد حين تتنازل وتحضر للمصابين دواء الجرب. وتم تعيين مسؤول صحي لكل مهجع من السجناء أنفسهم تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية إلى طبيب السجن حتى لا يضطر ذاك إلى فحص المرضى