فهرس الكتاب
بنفسه والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم! وفي هذا السياق عُيِّنَ الأخ الطبيب قاسم موسى مسؤولًا صحيًا لمهجعنا. ثم لما تزايدت الحالات أكثر فتحوا للمصابين مهجعًا خاصًا كما حدث أيام الكوليرا، لا رحمة بهم بالتأكيد وإنما خشية أن تنتقل العدوى إليهم. ورغم ذلك فقد مات بسبب الجرب من مهجعنا وبقية المهاجع الأخرى عدد غير قليل من الإخوة، وقدر للأخ عبد الكريم الصالح أن يتعافى بالتدريج، حتى إذا شافاه الله بعد حين أتاه النداء، وسيق مع دفعة من دفعات الإعدام إلى الردى رحمه الله.
من سجل الضحايا
وكان الممرض وطبيب السجن قد توقفا عن الحضور للمهجع قرابة الخمسة أشهر خلال أحداث حماة وبعدها، مما ضاعف الإصابات وأسرع في انتشار الجرب. وانتشرت معه أمراض أخرى لم نستطع أن نعرف أسبابها أو نوعيتها بالتحديد. فكنا نحار في أمرنا ونفعل ما بوسعنا لمساعدة المصابين. ولكم كان الإخوة يتسابقون لفداء إخوانهم المرضى من أي عذاب أو جهد وإيثارهم بحفنة الطعام المخصصة للواحد منهم. لكن ذلك لم يكن كافيًا لوقف المرض أو إنقاذ المصابين. وقضى عدد من الإخوة نَحْبَهُم فريسة الأمراض والأوبئة فبلغوا قرابة الستة عشر، لا زلت أذكر منهم كمال أندورة ومأمون الذهبي من دمشق. وهشام مجندف وبسام الهاشمي وسامي وحود من حمص.
وكان أول من مات بين أولئك جميعًا معتقل من قرية صوران قرب حماة اسمه عبد العزيز عوض السالم. أصابه السل كما يبدو حتى أصبح يبصق الدم. وعندما أخبر رئيس المهجع أبو الفضل الرقيب أن لدينا مريضًا في حالة خطرة أجابه بالحرف الواحد:
ولا .. بس يموت دق الباب!
وبعد شهرين من المعاناة وبعد ظهر أحد الأيام إتكأ الأخ على صدر شقيق له كان سجينًا أيضًا وأخذ يذكر الله ويردد الشهادتين حتى لفظ آخر أنفاسه رحمه الله. فلما تأكدنا من وفاته طلب شقيقه من الحضور أن يغسلوه قبل أن نخبر الشرطة بالأمر. لكن الإخوة خافوا أن تصيبهم العدوى أو أن تنزل بهم من الشرطة بلوى. فلما لم يتقدم أحد رأيت أن الأمر لا بد وأن يحسم. وتوكلت على الله وتقدمت. وأدخلته الحمام وغسلته وحدي. ومن يومها تعلم الإخوة علي وأوكلوا إلي هذه المهمة ما دمت فيهم. فغسلت كل الذين ماتوا من بعد ذلك في المهجع. بعدها قرع أبو الفضل الباب وأخبرهم بوفاة الأخ. فلم يزيدوا عن أن طلبوا منه أن يخرجه إلى الخارج. فتعاونت معه