فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 711

وحملناه، وعدت أنا وبقي أبو الفضل لبرهة. وعندما عاد أخبرنا أنهم أرادوا أن يتأكدوا من موته فتقدم أحدهم منه وركله بقدمه وحسب .. وجاء"البلدية"فأخذوه ومضوا!

سحور!

ومضت الأيام .. وازدادت الأمراض وكثرت الوفيات .. حتى كنا نخرج في فترة من الفترات ميتًا من مهجعنا كل يوم! ولا زلت أذكر أنني كنت أنام بجانب الأخ كمال أندورة في ليلة من تلك الليالي الرهيبة، وكنت قد نويت صيام اليوم التالي، فنهضت قبيل الفجر لأتسحر. وكان كمال بعد أن اشتد عليه المرض في الفترة الأخيرة لا يستطيع النوم مستلقيًا وإلا اختنق. فكان يتربع في مكانه ويستند رحمه الله إلى الجدار ويظل يكابد طوال الليل ويتأوه ويعاني. فلما نهضت لأتسحر وجدته ساكتًا على غير عادته. فجعلت أناديه بصوت خافت. فلما لم يجبني وارتبت في الأمر دفعته براحتي، فوجدته يسقط ميتًا على الطرف الآخر.

ولم يكن واردًا وقتها أن أقوم بأي حركة تكشفني أمام الشرطة على سطح المهجع، فسحبت البطانية على وجهه بكل هدوء، والتفت فسحبت صندويشة كنت قد وفرتها من عشاء الأمس لتكون سحورًا لي ليلتها، فجعلت أدس اللقيمات في فمي دسًا وأغص بهن، والأخ بجانبي مسجى لا روح فيه! وعندما استيقظنا صباحًا ومضينا لنغسله قبل أن يعلم الشرطة بموته وجدناه رحمه الله تخشب جسده وقد مضت على وفاته بضع ساعات. حتى إذا انتهينا بعد جهد يكلله الرعب أخبرناهم بموته. فلم يزيدوا عن أن نادوا"البلدية"ليسحبوه .. وانتهى الأمر!

سُنّة طيبة!

ومما لا ينسى من مشاهد الأمراض والأوبئة التي دهمتنا قصة أخ من حمص اسمه عبد المعز العجمي. أصابه مرض اليرقان الكبدي عام 1982 وأشرف على الموت بسببه. وجعل الأخ أبو الفضل رحمه الله يجهد نفسه ويجهدنا في توفير كمية من الطعام له من نصيبنا. وكان رحمه الله أول من سن هذه السنة الطيبة في إيثار المرضى على شدة حاجتنا وضآلة نصيبنا من الطعام. وجعلنا ندعو لأخ ونسأل الله له الشفاء. وسبحان من استجاب ومنّ على الأخ برحمته. فلم يمض شهر كنا نظن الأخ في أوله مودعًا حتى قام بيننا صحيحًا معافى. وكانت آية أخرى فيه أن طلب فيما بعد إلى الإعدام. ونال شرف الشهادة عام 1984 بعد أن نجا من الموت بسبب اليرقان.

الطبيب القاتل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت