فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 711

وإذا كانت حكايات الأسى وروايات المعاناة في سجن تدمر لا تنتهي فإن مما لا ينسى من بينها حكاية الأخ زاهد داخل التي تجسد كل معاني الطائفية الحاقدة والهمجية التي مارسها النظام السوري على شعبه .. وتفسر أسباب ثورة تلك الفئة المؤمنة على جلادها ولجوئهم إلى القوة كحل وحيد لم يجدوا من دونه سبيلًا للنجاة.

كان زاهد رحمه الله طالبًا متفوقًا في كلية الطب بجامعة حلب في سنواته الأخيرة .. جمعته الأقدار على طاولة الدراسة مع طالب آخر من طائفة النظام اسمه محمد يونس العلي. وفي أحد الأيام تعرّض يونس هذا لزميلة لهم في الصف من أسر حلب المحافظة، وجعل يلاحقها بفظاظة ويتابعها بالتصريح وبالتلميح فلا يجد منها إلا الصدود.

ودارت الأيام وشاءت الأقدار أن يتقدم زاهد نفسه لخطبة الفتاة ذاتها وأن ينال موافقتها وموافقة أهلها معًا. وتم الزواج وعمت الفرحة قلوب كل الناس إلا يونس هذا .. الذي اعتبرها قضية كبرى وعدوانًا على كرامته لا يغتفر. وجعل يهدد الفتاة وزوجها بشكل معلن .. وينذرهما بالويل والثبور وعظائم الأمور. وزاهد المؤدب الحيي لا يملك إلا أن يعرض عن الجاهلين.

وانتهت الدراسة، وتخرج زاهد ويونس من كلية الطب ومضى كل منهما في طريق. حتى إذا اشتعلت الأحداث في سورية وأسفر النظام عن أقبح الوجوه وجد زاهد نفسه فريسة بين أيدي المخابرات يتنقل من عذاب إلى عذاب ومن سجن إلى آخر، حتى انتهى به المقام في مهجع 5 - 6 بتدمر! وشاءت الأقدار أن يكون طبيب هذا السجن - ويا للهول - محمد يونس علي نفسه! أما الإجابة عن كيفية وصول زاهد ويونس كلاهما إلى هذا المكان .. وعلاقة ذلك بتهديدات يونس السابقة فذلك ما لم نعرفه. لكنا تأكدنا كلنا أن هذا الطبيب كان يبحث من أول يوم عن شخص محدد اسمه زاهد داخل بين السجناء في مختلف المهاجع. وجعل الشرطة العسكرية يدورون على مهاجع الباحة الأولى حيث تم فرز زاهد على واحد من مهاجعها ويسألون عنه مرة بعد مرة .. حتى تم للجاني ما أراد وشاهد زاهدًا في يوم من الأيام أثناء التنفس فقال للشرطة ها هو ذا. ومن لحظتها أخرجه الزبانية وأوسعوه ضربًا وجلدًا ومسبات وقالوا لرئيس مهجعه: هذا معلّم. ويبدو أن زاهد قد لمح يونس أو سمع بوجوده فأدرك ما يدور .. وعرف أن طبيب السجن هو جلاده وغريمه نفسه .. وأسر بذلك للإخوة في مهجعه وسأل الله الستر.

وجعل الشرطة يخرجون زاهدًا بسبب ومن غير سبب ويذيقونه في كل يوم جرعة مضاعفة من العذاب .. ومضت أسابيع على هذه الحالة أيقن زاهد والإخوة معه أنه مقتول لا محالة. حتى إذا انهار ولم يعد يستطيع الخروج للتنفس وجلس في المهجع كما اعتاد من أصابهم مرض أو أقعدهم التعذيب أن يفعلوا أخذ الشرطة يبحثون عنه بين المرضى ويعذبونه هناك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت