فهرس الكتاب
وفي يوم مكفهر أخذ الزبانية التفقد في مهجع 5 - 6 ولكن من غير أن يخرجونهم كما تقتضي العادة. وأتى الأمر من الرقيب فيصل كحيلة للإخوة أن يضبوا كلهم في زاوية المهجع. فلما فعلوا ولم يبق في ذلك الركن إلا زاهد المسكين وقد انتهت فيه كل قدرة على الحركة تقدم فيصل وعريف من الشرطة العسكرية اسمه شحادة وهوى كلاهما بالعصا على رأسه بكل قوته فانفلق من فوره ..
وسقط زاهد على أرض المهجع يتخبط دمه، ومن غير أن تختلج في القتلة عضلة واحدة خرجوا وأقفلوا باب المهجع. ولم يلبث القتلة أن فتحوا نافذة الباب ونادوا رئيس المهجع وسألوه عم حدث. فأجاب المسكين بهلع: لا أعرف سيدي، أظنه وقع على الأرض وأصيب بارتجاج في الدماغ! فأقفل الجناة النافذة ومضوا غير عابئين، وهرع الإخوة إلى زاهد فرأوه قد أسلم الروح، فجعلوا يسحبونه إلى الحمام ليغسلوه. في تلك اللحظة فتح الباب من جديد وأمر الشرطة رئيس المهجع أن يخرج الجثة. فجعل المسكين يسأل الإخوة أن يساعدوه فأبوا. وأقعدهم الخوف وفظاعة المشهد عن أن يتقدموا خطوة واحدة. فلم يجد الأخ إلا أن يسحب جسد زاهد سحبًا حتى باب المهجع. وجاء"البلدية"كالعادة فحملوه من بعد ومضوا به وكأن شيئًا لم يكن!
أمر بالفاحشة!
وأمعن الشرطة في إجرامهم وغيهم .. وزادوا في بطشهم وتفننوا في أساليب العدوان. فكم من مرة فوجئنا ونحن في ساعة النوم بواحد من هؤلاء السفهاء يطل علينا من الشراقة فوق السقف ويبول فوقنا عامدًا متعمدًا .. أو يبصق علينا مرة واثنتين وثلاث. والويل كل الويل لمن رفع رأسه أو تململ في مجلسه! ولكم أخرج هؤلاء الظلمة واحدًا أو أكثر من بيننا في منتصف الليل ليتسلوا بتعذيبه من غير أي سبب .. أو اجتمع عليه الجلادون في حر الظهيرة فأوسعوه لطمًا وضربًا وسحلوه على أرض الباحة وهم يضحكون!
وعلاوة على الكبلات والعصي والسياط التي كانت تنهش الجلود وتحطم الأضلع وتشوه الوجوه، عمد الزبانية إلى استخدام قضبان حديدية في ضربنا. ويا بؤس من ناله من هذه القضبان ضربة! وإضافة إلى ذلك استخدم الشرطة القضبان ذاتها لتحطيم نفسياتنا. فكانوا إذا حان يوم الحلاقة مثلًا دخلوا من باب الساحة السادسة التي تبعد عن مهجعنا عشرات الأمتار ورموا القضبان الحديدية على أرضها الإسمنتية لينطلق صوت ارتطامها بالأرض فيصلنا كأنه نذير الموت! ولم يكن الإخوة كلهم في درجة واحدة من الثبات وقدرة التحمل. فكان بعضهم ترتعد فرائصه إذا سمع ذاك الصوت ويبكي حتى من قبل أن يصل الجلادون!