فهرس الكتاب
غير أنه مما لا ينسى أبدًا من مشاهد تلك الفترة يوم أن أطل أحد الحراس من شراقة السقف ونادى على أخوين شقيقين في مهجعنا وأمرهما بكل صفاقة وسفالة أن يخلعا ملابسهما ويفعلا الفاحشة ببعضهما البعض! ومع الضحكات الفاجرة والمسبات الدنيئة أصر المجرم على تنفيذ الأمر .. ولم يجد الأخوان إلا أن يجاريانه خشية أن يحدث ما لا تحمد عقباه .. فخلعا ملابسهما بالفعل .. والسفيه يلاحقهما ليفعلا أكثر وأكثر .. وأطرقنا نحن وأغمضنا عيوننا لا نكاد نصدق هذا المدى من الخسة الذي بلغه أولئك الوحوش .. وجعلنا نبتهل في سرائرنا أن يصرف الله الأذى وينجي الأخوين وينجينا من هذا الخسيس. والكفر بالله والمسبات والشتائم تندلق علينا من فمه النجس ولا تكف. فلما أحس أنه ضحك بما يكفي وحقرنا بما يشفي غليل حقده ورحل .. أحسسنا وكأننا خرجنا من كابوس مرعب لا يوصف. وأطرقنا صامتين لا نستطيع أن ننظر في وجوه بعضنا البعض ساعات عديدة. ولم يفتح أحد منا سيرة ما جرى بعدها .. سترًا للأخوين وحفاظًا على شعورهما وكرامتهما، وكرامة وشعور أبيهما الذي كان نزيل المهجع نفسه!
ولقد تكرر مثل هذا الحدث غير مرة. وأعاد هؤلاء السفهاء الطلب وأمثاله في أكثر من مهجع .. وكانوا يفتحون الباب علينا أو ينادون في التنفس واحدًا منا ويقول الشرطي له:
أنت يا ... أنا بدي أعمل في أمك كذا .. شو؟
فكان المنادى يسكت أول الأمر ولا يجد ما يجيب به. فتأتيه لطمة أو ضربة من جلاده وهو يصيح به:
كرر يا ... أنا بدي أعمل بأمك كذا. شو؟
فلا يجد المسكين إلا أن يقول بذل وانكسار:
أنت تريد أن تعمل بأمي كذا وكذا سيدي.
فإذا أشبع ذلك من صلف المجرم تركه، وإلا أمره أن يعيد ما قال ويُسمع به آخر من في الساحة أو في المهجع حتى تقر عينه الفاجرة وتسكن هواجسه الخبيثة!
المنفردات
وذات يوم من أيام عام 82 القاسية دخل عناصر الشرطة العسكرية المهجع فجأة وأمرونا جميعنا بالإنبطاح. وما أن امتثلنا للأمر حتى أمرونا بالوقوف من جديد. ولم يكن لمثل هذه الأوامر من سبب إلا إرهاقنا وإذلالنا. لكنهم وعندما انتصبنا واقفين لمحوا أخًا بيننا اسمه أحمد فطومة من حماة كان مشمرًا قدرًا عن ذراعيه. فقالوا له ولطمة من أيديهم المتعطشة للدماء تطاله:
هنت (أي أنت) بتتحدانا ولا؟ قوم للسواليل.