فهرس الكتاب
يحدث تهشم في الأسنان وكسور في الوجه والفكين، وأحيانًا تحدث جروح عميقة ينتج عنها انسلاخ اللحم عن العظام.
مرة من كل عام تتكرم إدارة السجن بالخروج للسجناء لمراجعة العيادة السنية، صاح أحدهم بنا من الخارج بمراجعة العيادة السنية يكون مستعدًا، وطلب من رئيس المهجع عددهم، وكنا خمسة سجناء نستعد للخروج بالرغم من نصائح البعض بعدم الخروج؛ لأننا لن نستفيد شيئًا سوى العذاب. خرجنا كما هي العادة المتبعة في تدمر أعيننا مطمشة وتقودنا البلدية برتل أحادي مرورًا بمهاجع أخرى، إلى أن وصل عددنا إلى 25 سجينًا. وطلب أحدهم من البلدية أخذنا إلى باحة الطعام، جمعونا هناك إلى أن وصل عددنا إلى حدود 60 سجينًا، وطلبوا منا الركوع على الأرض باتجاه الحائط وعدم النظر إليهم. ركعنا وركع كل شيء من حولنا.
بدأ أحدهم برفسنا من الخلف، ويطلق بنا من الألفاظ كل ما حفظه في حياتة البذاءات والألفاظ الدنيئة، مرة ينعتنا بالخونة ومرة أخرى بالزناة والصراصير، وهذا كان من ألطف الألفاظ التي سمعتها في سجن تدمر، من سوء حظي الطميشة التي وضعوها على عيني كانت مثقوبة من العين اليمنى بقدر 4 ملم، بحيث استطعت أن أشاهد بعض الأشياء (الطميشة هي عبارة عن قطعة من البلاستك الأسود المطاطي مصنوعة من أطار عجلات السيارات يضعها السجين على عينيه طوال فترة وجوده في السجن وخاصة أثناء النوم ليلًا، وهذه تجعل السجين في حالة متوترة بشكل دائم، وهي من الأساسيات بالنسبة للسجين والسجان، وشيء مقدس لا يمكن الاستغناء عنه أبدًا، حيث أصبحت جزءًا من حياة السجين، وعندما تضعها تنقلك إلى عالم الظلمات وتعزلك عن كل شيء صامت ومتحرك من حولك، ومحاولة إزالتها أو تحريكها تكلف السجين الكثيرمن الدماء ولأيام طويلة، وفقد العديدون أعينهم نتيجة تبلي عناصر الشرطة بتحريكها) .
أمرنا أحدهم بالوقوف والاصطفاف رتلًا أحاديًا. ومن المضحك المبكي أن يكون السجين معصوب العنين أن يصطف برتل أحادي، وكيف يستطيع أن يميزالجهات الأربعة أو يدرك ما يدور من حوله؟! البعض منا ذهب يسارًا وآخرون يمينًا وإلى الوراء والأمام. أشتد غضبهم علينا، وغضبت السياط والعصي معهم، ومن سوء حظي أيضًا بما أنني أرى بعض الأشياء التي تحدث انتابني خوفٌ مزدوج، إذ كيف لي ان أتصدى لأحدهم وهو قادم إليّ ويرفع سوطه إلى الأعلى.
طلبوا منا الجلوس أرضًا كلّ في مكانه دون حركة، طلب أحدهم من البلدية بأن يساعد على اصطفافنا في رتل الموت. نظرت من ذلك الثقب اللعين، فشاهدت أحدهم يرتدي ثيابًا أنيقة يجلس على كرسي وأمامه طاولة خشبية يضع فوقها حقيبة سوداء، ونادى به أحدهم: الكل جاهز يا دكتور. هذا هو الطبيب، وقف وهو يضع يديه حول خصره، وقال: كلكم يا أولاد"القحبة"