فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 711

مصابين بألم الأسنان؟ صاح بالممرض، فذهب إليه وسلمه ملقطًا معدنيًا. وقال له: ابدأ من أول الصف. بدأ والصراخ ملأ المكان، حاولت أن أسترق النظر قدر المستطاع، وأن أجس بعض الأشياء بالرغم من حالة التوتر التي أعيشها، فشاهدت السجين الأول من الصف مقيدًا من قبل عناصر البلدية، والممرض يدس ملقطه المعدني داخل فم السجين بطريقة متوحشة، وعندما ينتهي من قلع ضرسه تجره البلدية الى الجدار المقابل وتأمره بالجلوس وعدم الحركة، ويأتي دور من بعده. وأنا أنتظر ولا أعرف كيف سأعيش تلك الحالة وكيفية التعامل معها، فوجدت الممرض قريبًا مني. بقيت بالانتظار إلى أن وصل إليّ وطلب مني فتح فمي إلى أقصى حد، فعلت ذلك وأنا أرتجف من الخوف، وخوفي أن يدس ملقطه في عنقي، ونادى بالبلدية فبصق بفمي وقال: هذا هو المخدر، ومسك بذراعي بشدة من الخلف، وطلب أن أرفع رأسي إلى الأعلى، وهذه هي المرة الأولى التي أرفع فيها رأسي في سجن تدمر. ثم جاء آخر وأطفأ سيجارة على رقبتي، وقال لي هذا سحب العصب ولن تؤلمك أسنانك بعد اليوم يا ابن الزانية. أحسست بآلة معدنية تتحرك داخل فمي يصدر منها أصوات الطقطقة، أحسست بألم شديد جدًا، بحيث أجبرت للقيام ببعض الحركات الممنوعة لأتخلص من الذي أنا فيه، ولكن شعرت بضربة قوية على رأسي من الخلف، ولم أعد أحس بأي ألم ولم أعد أسمع شيئًا من قوة الضربة التي تلقيتها، وبعد ذلك وجدت نفسي جالسًا بين البعض من السجناء مقابل جدران أحد المهاجع. حركت لساني داخل فمي للتأكد من الضرس الذي آلمني، ولكن اكتشفت أن هناك مساحة كبيرة من الفك السفلي خالية من الأضراس تم قلعها. وبعدما استعدت جزءًا بسيطًا من وعيي، أدركت بأنه قد تم قلع أضراس الذين من قبلي بالملقط ذاته بدون تخدير للمنطقة المصابة، وهذه كارثة؛ لأن أغلب السجناء مصابين بداء السل الرئوي والتهاب الكبد المعدي!! همس أحد الذين يجلسون بجانبي يسألني من أي مهجع أنا، فلم أرد عليه، تصورت أنه من عناصر الشرطة أو البلدية يجلس معنا ليتجسس علينا، فرد قائلًا لطمأنتي: أنا من الباحة السادسة، البارحة كان عندنا في الباحة تنفيذ أحكام، هل خرج أحد من مهجعكم؟ رددت عليه بهمس شديد: لا. وحوّل حديثة إلى الذي بجانبه، وبدأ يتجاذب معه أطراف الحديث وبصوت مسموع أحيانًا، وبدا لي يسأله عن البعض هل يعرفهم، ومن ثم انتقل إلى الآخر. وتبين لي أنه قادم للتعارف والتقاط الأخبار، وليس كما ظنتتة لمرة الأولى، وها هو يضحي بحياته من أجل خبرٍ أو معلومة قد تفيده، وفهمت أيضًا أنه سجين قديم منذ عام 1981. وفجأة وبشجاعة مني سألته: ماذا يعني تنفيذ الأحكام؟ فرد من أين انت؟ قلت له: من الباحة الثانية، فقال: هل مجيئك إلى السجن حديث؟ قلت له نعم، فقال: تنفيذ الأحكام .. لقد أعدم البارحة شنقًا حوالي خمسة سجناء كلهم من الإخوة، والحمد لله الجنة لهم خالدين فيها بإذن الله، وأن يطعمنا الشهادة جميعًا. وبدا لي مسرورًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت