فهرس الكتاب
جداُ عندما يلفظ كلمة الشهادة. وانتقل بكلامه الى الذي أمامنا، وبدأ يطرح عليه بعض الأسئلة وقد ارتفع صوته بعض الشيء، مما جعل أحدهم يتنصت عليه وطلب منه الخروج من الصف وسلمه إلى الرقيب، وأعلمه أنه كان يتبادل الحديث مع الذي بجانبه. بطحوه أرضًا، وتجمعوا من حوله والعصي الغليظة والقضبان المعدنية بدأت تعزف له لحنها التدمري وهو صامت لم يصرخ أو يتوسل لهم، مما جعلهم يستشيطون غيظًا، إذ شعروا بأنه يتحداهم بصمته، ووضعوه ضمن دائرة هم يشكلون محيطها بحيث يتنابون على ضربه إلى أن فقد وعيه وهم ما يزالون ينهالون عليه ضربًا، وطلبوا من البلدية أن يأتوا ببطانية وحملوه لا ندري إلى أين!
لحظة صمت، الخوف أبعدني عن اللحظة التي كنت أناجي فيها الخلاص علّها تبعدني عن هذا المكان الذي لم يشهد له التاريخ مثيلًا، وقد لا نجد في تاريخنا الحديث مثالًا لتدمر، وقد لا نجد قصة أكثر وحشية وبربرية من قصصها.
ها قد انتهى الجميع من"المعالجة". واقفًا .. صاح أحدهم .. الباحة الأولى إلى هنا الثانية .. الثالثة .. إلخ. كنت في أول الرتل ماشيًا، وصاحب البيجامة الزرقاء يقودني ماسكًا بي من عنقي الذي لف حوله السوط ليجرني كما يُجَّر الكلب المريض .. يرتدي بقدمه بوط عسكري مليء بالشحار الأسود وتفوح منه رائحة المازوت، ويطلق عليّ من الألفاظ ما ربّاه عليه"الجيش العقائدي"إلى أن وصلنا إلى باحة المهجع، وصاح برئيس المهجع: يا ابن العرصة يا ابن"الشلكة"ألم تسمع كم عرصة خرج من عندك، فرد رئيس المهجع المسكين قائلًا: خمسة حضرة الرقيب أول. عدهم يا ابن .. ابن .. العدد كامل حضرة الرقيب. عدّنا رئيس المهجع وما زلنا خارج المهجع، وكأنه فخ نصب لرئيس المهجع على خروجنا .. كامل يا ابن القوادة تعال إليّ. هنا فتح الباب، دخلنا وخرج رئيس المهجع وبدأو بضربه على جسده المنهك، وكان ضربهم له رفسًا بأرجلهم وثم رطمه بجدار المهجع، وهم يحذرونه من عدم تكرار ذلك أو إبلاغهم عن أي مريض كان. أدخلوه صريعًا بين الحياة والموت. الموت في تدمر أمنية في كثير من الأحيان كما أنه قريب منك جدًا، ولكن عندما تشتهيه يبتعد، وعندما يغادر أحدهم نحزن ونفرح، وكلما سمعنا صوت أبو غضب وأبو كاسر في الباحة نحسب في حساباتنا أنه قد يرحل واحد منا، وهم يستخدمون أرجلهم للضرب، وضربه واحدة بقدم أحدهم كافية لتجعلك في عداد الأموات.
ويأتي يوم جديد تدمى فيه الجراح وتثقل الثواني ويصبح عدها مستحيلًا، حيث لا حساب للزمن عندما تتحرك السياط وصوت الجلاد يصطدم مع صوت الحريه، وأجسادنا الفقيرة الدامية ستظل ملكهم المشاع وغبار القوافل ما يزال يمر بنا دون أن يذكرنا أحد سوى الأحبة، حيث الأبواب موصدة، وحريتنا الوحيدة أن نوسّع مكان نومنا وليس لنا أمل بالخروج من تلك الأبواب المتراكمة،