فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 711

وكلما حل بنا الدور لمواجهتهم تتشكل من حولنا دوائر ضيقة ننظر من خلالها الى بئر محفور لا ندري الى أي عمق ويهبط العالم على صدورنا والدموع تحاول ألا تذرف.

هنا نعيش جميعًا في ذعر وخوف وليس جبن، إلا من سولت له نفسه وسلمها رخيصة ليحقق مكاسب ضيقة على حساب دماء الآخرين، هم في أغلب الأحيان يعيشون كنعامة الصحراء ..

ليلة من 2000 يوم وليلة

شارفت الشمس على المغيب، والبرد القارس يقتحم الشبابيك التي تلفها القضبان المعدنية متقاطعة بشكلها العشوائي، حيث يأتي دون أن يستأذن الدفء، ليجلس بين الجسد الهزيل، ليخبرنا عن يومٍ الحزن الشريك. والموت رفيق الأحياء يتربع بين جدران المهاجع يرعبنا بين الفينة والأخرى، وصوت الجلاد صارخًا ترتعد المهاجع بسجنائها مر تعبة تتراعش أطرافها وتهتز، وكأنه الزلزال المنذر بالدمار .. ليل قادم من ليالي تدمر التي بيننا وبينها المجهول، قف أيها النهار واجعل نورك سراجًا لنا في عتمة الدهاليز المجهولة يد البطش، والموت فوق رؤوسنا في اللحظة التي تليها لحظة أخرى، أما قلبي فقد انثالت عليه نفسي الذكر وأجهشت عينيّ بالبكاء، لا ترحلي ودعيني أنام على ذراعيك وأتوسد الأمان، فأنا مرتعب حتى الموت من ذلك الغول الذي يسكن الصحراء، يختبىء تحت الرمل ليفزعني في عتمة الليل، وجسدي هزيل لا يقاوم وقلبي يكاد أن يخرج من بين أضلعي، بينما كنا نودع أبا الحارث الذي عذبوه حتى عمده المرض وأضنته العلة .. وعيناه الشاردتان شاخصتان إلى السماء، وجبينه الشاحب من عرق الموت بين المد والجزر، وأنت واقف عاجز حيال ذلك، لا تستيطيع أن تفعل له شيئًا فتذهب نفسك حسرات.

ارحل أيها الملاك الكريم، فإنك جليل عظيم، نعم أنا شاكِ باكِ حزين .. اذهب أنت بسلام أيها النور الصامت الهادئ فمرقدك مضيء .. وداعًا يا أيها الرجل، فلنتذكر أغانيك وأناشيدك الصوفية .. أخرجوك يحملونك على بطانية عسكرية، ويتهمونك لأنك أنت السبب في موتك، بينما كنت تغتسل في الحمام، حيث قدمك زلت بالماء والصابون ووقعت صريع الموت على رأسك! لن ترى بعد اليوم الحارس الملثم الذي يراقبنا من على سطح المهجع يتربص بنا ليختار فريسته، لن يرعبك طعام العشاء .. بطاطا مسلوقة بماء عكر ومعجون بالوحل ليضف الكثرة على القلة، حصتك سنوزعها على المرضى، وقد تكون من نصيب أخيك العليل الحزين، وأما ثيابك المهترئه فستكون من نصيب العراقي الذي هو بحاجة إليها، والذي سيترحم عليك لسترة عورته.

صوت مؤذن نكاد نسمعه بلهجة مكية ينادي لصلاة المغرب، ويخبرنا بمغيب الشمس التي قد لا تشرق غدًا. انتهى الجميع مما بين أيدهم استعدادًا للنوم، والكل يتضرع إلى الله كي يحميهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت