فهرس الكتاب
معشره، وبحلقات البلاغة والنحو التي واظبنا عليها حتى تعلمنا منه الكثير. وقال له أن يضب أغراضه لأنه سينقل إلى مدرسة المدفعية بحلب حيث كان يقضي خدمته الإلزامية. ورغم استغرابنا من هذا الأسلوب الجديد إلا أننا قدرنا أنهم إنما أخروا إعدامه لأنه عسكري وحسب، وأن دوره الآن قد دنا.
وأدرك عبد الحكيم أنها منيته، وجعل رحمه الله يطوف علينا ويتفرس في وجه كل منا ويردد آخر كلمات له في هذه الدنيا سمعناها:
سامحوني يا شباب .. واللقاء إن شاء الله في الجنة.
فلما وصل بتطوافه إلى مجموعة من أهل بلده كانوا شركاء في مجموعة الطعام في المهجع أوصاهم بأهله وأولاده. لكننا فوجئنا به وعيوننا تتابعه وقلوبنا تطوف معه يستدير نحوهم فجأة ويطلب بعض اللبن كانوا قد وفروه لفطورهم عند المغرب ليأكل منه. وكانت آية والله رأينا فيها مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه:"نفث في روعي الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها".
ووالله الذي لا إله إلا هو أخذ عبد الحكيم صحن اللبن وأكل منه. واتجه بعدها إلى الباب ونحن لا نصدق أنه مفارقنا، ومضى إلى الإعدام ونفسه رحمه الله تفيض بالرضا والإطمئنان، وكأنه ذاهب لملاقاة أحب الناس إليه!
لا خضوع!
وفي مهجع السل 23 بالباحة الرابعة حيث كان قد اجتمع على إخواننا هناك كَرْبُ السجن وكَرْبُ المرض أخرج الشرطة يومها أخًا مسلولًا من حلب اسمه يوسف عبارة للإعدام. وقتها لم أكن قد انضممت للمسلولين بعد، لكنني سمعت القصة عندما صرت واحدًا منهم بعد حين. فلقد نادوا الأخ رحمه الله إلى لقاء ربه قبيل صلاة الفجر. فهرع وصلى مع الإخوة الفريضة ثم ودعهم ومضى إلى منيته مقبلًا على الله. وكان من نزلاء المهجع نفسه أخ شاعر موهوب تفجرت مشاعره عندما أبصر الإخوة يساقون رتلًا طويلًا إلى المشانق، وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقة له حفظناها جميعًا وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها:
وسار موكب الجنازة في الصباح
مخلفًا وراءه الجراح
وراسمًا مسيرة الكفاح