الصفحة 22 من 26

أمر الله به، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، رواه البخاري، والهجرة قد تكون هجرة مكان أو هجرة عمل أو هجرة عامل، وبالمعنى الخاص: والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام: وقد مرت الهجرة بثلاث مراحل: المرحلة الأولى كانت الهجرة من بلد الخوف إلى بلد الأمن، وهي الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة، والمرحلة الثانية كانت الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي الهجرة إلى المدينة، والمرحلة الثالثة: تشريع حكم الهجرة إلى قيام الساعة حيثما غلب الخوف أو الشرك أو البدع، وإنما يعرف بلد الإسلام بظهور وغلبة شعائر الإسلام لقوة أهله، وقوة الإسلام قد تكون بقوة السلطان أو بقوة الرعية، ويعرف بلد الشرك بمنع شعائر الإسلام الظاهرة؛ كالأذان أو صلاة الجماعة والجمعة، وكذلك إذا أقيمت هذه الشعائر لا لقوة المسلمين بل لإذن الكفار؛ كحال الأقليات المسلمة في بعض بلاد الكفر، وحكم الهجرة، ما بيّنه بقوله: والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام: قال شيخ الإسلام رحمه الله:"لا يسلم أحد من الشرك إلا بالمباينة لأهله"، وفي الحديث:"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"، روه أبو داود عن سمرة رضي الله عنه، وعنده عن جرير رضي الله عنه:"أنا بريءٌ من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين"، قالوا يا رسول الله: ولم؟ قال:"لا تراءى نارهما"، وقد نقل الإجماع على وجوب الهجرة القرطبي في تفسيره وغيره من أهل العلم، ويتحقق الوجوب بشرطين: أن تكون البلد بلد شرك، وأن يمنع المسلم فيها من إقامة شعائر الإسلام الظاهرة، وهى باقية إلى أن تقوم الساعة: وسيذكر المصنف الدليل على ذلك من السنة، والدليل: أي على كونها فريضة، قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: أي بترك الهجرة مع قدرتهم عليها وعدم تمكنهم من إقامة شرائع الدين، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض: يريدون كنا أقلة أذلة في بلاد الكفر ليس لنا أمر، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا: هذا حكم الله فيهم، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان: أي المعذورين، وهم الذين: لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلا: لا يستطيعون حيلة يتخلصون بها من تسلط الكفار، ولا يهتدون سبيلًا يصلون به إلى المسلمين، فاجتمع فيهم شرطان: الأول: لا يجدون قوة مادية ولا مالية للهجرة، والثاني: لا يعرفون طريق الهجرة بأنفسهم ولا يجدون من يدلهم، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: عسى من الله واجبة، وكان الله عفوًا غفورًا} ، وقوله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} : ووجه الدلالة من هذه الآية ما نقله المصنف عن البغوي رحمه الله، قال البغوي رحمه الله تعالى: هو محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء الشافعي، صاحب التفسير وشرح السنة (435 - 516 هـ) ، (سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان) : وهذا ملخص ما حكاه البغوي رحمه الله عند تفسير هذه الآية؛ فيكون من حكاية المعنى لا اللفظ، وفي الآيات التي ذكرها المصنف دلالتان: الأولى أنهم تركوا أمرًا واجبًا استحقوا عليه إثمًا وعقابًا كما في الآية الأولى، والدلالة الثانية: أنهم لم يخرجوا بذلك عن الإسلام، بل ناداهم الله بنداء الإيمان، كما في الآية الثانية، والدليل على الهجرة من السنة: أي لكونها لا تنقطع إلى قيام الساعة، قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) : ومعنى انقطاع التوبة: عدم قبولها، وهذا دليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت