الصفحة 23 من 26

على أن الهجرة باقية إلى قيام الساعة، وأما حديث عائشة رضي الله عنها:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، رواه مسلم؛ أي لا هجرة من مكة بعد أن أصبحت دار إسلام، ولكن لأهلها أن يجاهدوا لينصروا دين الله، مع بقاء حكم الهجرة على من كان في بلد كفر، ثم عاد المصنف رحمه الله لبيان طرفٍ من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام: في قوله: (أمر) احتمالان: أن تُبنى على المعلوم؛ فيكون الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو تُبنى على ما لم يذكر فاعله؛ فيكون الآمر هو الله تعالى، مثل الزكاة والصوم والحج والجهاد والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام أخذ على هذا عشر سنين: ولم يترك - صلى الله عليه وسلم - أثناء هذه السنين تأكيده على مسائل التوحيد ونهيه عن الشرك؛ بل حتى قبل وفاته، قالت عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، متفق عليه، والمسألة السابعة: معرفة وفاته - صلى الله عليه وسلم: وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه: سنة إحدى عشرة للهجرة، وقد دل على وفاته كتاب الله تعالى، وسيذكر المصنف رحمه الله الدليل على ذلك، وهو - صلى الله عليه وسلم - حي في قبره حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، وأما الحياة الجثمانية فلا ريب أنه مات - صلى الله عليه وسلم -، والمسألة الثامنة: معرفة دينه - صلى الله عليه وسلم - ورسالته: وفيها ثلاثة أمور: الأول: بقاء دينه: ودينه باق: وبقاء الدين ببقاء أمرين: بقاء أصليّه؛ وهما الكتاب والسنة، وبقاء المستمسكين به؛ وهم أهل الإسلام الفرقة الناجية إلى قيام الساعة، وهذا دينه: وهذا دينه محفوظ باقٍ عندنا، قال السلف: هذا عهد رسول الله إلينا ونحن عهدناه إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا، وهي وصيته وفرضه عليكم، لا خير إلا دل الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه: فلا يأتي دين محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا بتحصيل المصالح وتعطيل المفاسد، قال تعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} سورة الأعراف (157) ، وعند الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ليس من عملٍ يُقرب من الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يُقرب من النار إلا وقد نهيتكم عنه"، وفي الحديث الصحيح:"إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم"، وقد فسّر المصنف ما دعا إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: والخير الذي دل عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، وفسّر ما حذر منه بقوله: والشر الذي حذر منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه، والأمر الثاني: عموم رسالته: بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين الجن والإنس: وهذه من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومما يتميز به عن سائر الأنبياء، قال - صلى الله عليه وسلم:"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، متفق عليه عن جابر رضي الله عنه، وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"، وقد دل القرآن كذلك على عموم رسالته، والدليل قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا} ، والأمر الثالث: إكمال شريعته وختمها لسائر الأديان: وأكمل الله به الدين، والدليل قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} ، وقد مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وانقطعت الرسالة وبقيت رسالته خالدة، والدليل على موته صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {إنك ميتٌ وإنهم ميتون - ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت