الصفحة 24 من 26

إلى فريقين؛ فمن اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الجنة ومن أبى دخل النار، ثم استطرد المصنف رحمه الله تعالى ليذكر ما يتعلق بعقيدة الإيمان بالبعث، وذلك لكثرة من أنكر البعث من البدو في عصره رحمه الله، والناس إذا ماتوا يبعثون: والبعث في اللغة: الإثارة والتحريك والإرسال، واصطلاحًا: إعادة الأرواح إلى الأجساد بعد النفخة الثالثة، والدليل قوله تعالى: {منها خلقناكم: أي من الأرض خُلق أبوكم آدم، وفيها نعيدكم: أي وفيها تدفنون وتقبرون، ومنها نخرجكم تارة أخرى} : أي ومنها تبعثون وتحيون يوم القيامة، وقوله تعالى: {والله أنبتكم من الأرض نباتًا: أي خلق أباكم آدم من تراب الأرض، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجًا} ، ومن السنة ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"قال الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني؛ أما شتمه إياي فقوله إن لي ولدًا، وأنا الله الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته"، ومن الأدلة العقلية على بعث الموتى يوم القيامة: أن الله القادر على ابتداء الخلق لا يَعجز سبحانه عن إعادته، {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} سورة الروم (27) ، وما نشاهده من إحياء الأرض بعد موتها بكل زوج بهيج دليل على إحياء من في بطنها من الأموات، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة فصلت (39) ، والذي خلَق السموات بأجرامها والأرض بجبالها وبحارها قادر على أن يعيد خلق هذا الإنسان، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سورة الأحقاف (33) ، ومن الأدلة أيضًا الأمثلة الحسية: مما رآه بعض الأقوام من إحياء الله تعالى بعض الأموات كما في سورة البقرة، ومن أدلة ذلك أيضًا: حكمة الله العظيمة التي اقتضت ألا يخلق الخلق ويرسل لهم الرسل ويأمر بالجهاد والهجرة، ثم لا يكون بعد ذلك ثواب لأوليائه ولا عقاب لأعدائه، ألم يقل الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} سورة المؤمنون (115) ، وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم: الحساب في اللغة: ما يكون فيه عدّ، والحساب يوم القيامة على صورتين: الأولى حساب المؤمن: وهو العرض والتقرير؛ فتعرض على المؤمن ذنوبه ثم يغفرها الله له، والثانية حساب الكافر: وهو الحساب العسير؛ وهو حساب تقريع وتوبيخ، لا أن الكافر توزن سيئاته وحسناته؛ إذ لا حسنات للكفار، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من حوسب يوم القيامة عُذب"، قالت عائشة: أو ليس يقول الله: {فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا} ؟ قال:"ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك"، متفق عليه، والدليل قوله تعالى: {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} : فيعامل المؤمن بعفوه ورحمته، ويعامل الكافر بعدله وحكمته، ومن كذب بالبعث كفر: لأنه أنكر ركنًا من أركان الإيمان الستة، وكذب بالنصوص المتواترة والإجماع، والدليل قوله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير} ، وبعد هذا الاستطراد المهم في المسائل التي تعلقت بالهجرة والبعث والحساب، ذكر المصنف رحمه الله المسألة التاسعة فيما يتعلق بالأصل الثالث: الحكمة من إرسال الرسل: وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين: هذه الحكمة الأولى من إرسال الرسل: بشارة المؤمنين بنعيم الله ونذارة وتخويف العاصين من عذاب الله، والحكمة الثانية: إقامة الحجة على الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت