الصفحة 25 من 26

بدلالتهم على ربهم وتعليمهم أمور دينهم، والدليل قوله تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ، وقد كان الناس على التوحيد، قال ابن عباس رضي الله عنه:"كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين"، وأول من ظهر فيهم الشرك قوم نوح لما غلوا في الصالحين، فأرسل الله أول رسله، وأولهم نوح عليه السلام، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن أولهم نوح عليه السلام قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} سورة الحديد (26) ، ولا تكون النبوة في ذريته إلا إذا كانت من بعده، والدليل من السنة ما جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في حال الناس يوم القيامة، وفيه:"ويقول- أي آدم- ولكن ائتوا نوحًا؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"، والحكمة الثالثة من إرسال الرسل عليهم السلام: الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك: وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد؛ يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وكل رسول قال لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} سورة الأعراف (59) ، وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله: وهو معنى كلمة التوحيد والقول الثابت والكلمة الباقية والعروة الوثقى: شهادة أن لا إله إلا الله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هو شمس الدين أبو بكر محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، (691 - 751 هـ) ، والعبارة نص كلامه في كتابه أعلام الموقعين 1/ 50، (الطاغوت: الطاغوت في اللغة مشتق من الطغيان، يقال طغى الماء إذا تجاوز حده، وأجمع ما عُرف به اصطلاحًا: ما نقله المصنف عن الإمام ابن القيم رحمه الله: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع) : فالرب سبحانه هو المستحق أن يعبد ويتبع أمره ويطاع حكمه، فكل ما تجاوز به العبد الحد كان طاغوتًا، وأقسامه تنحصر في ثلاثة: الطاغوت المعبود بأي نوع من أنواع العبادة، ويشمل من عُبد من دون الله وهو راضٍ، ومن دعا إلى عبادة نفسه، والطاغوت المتبوع في غير طاعة الله، ويشمل علماء السوء والعباد المنحرفين، والطاغوت المطاع في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، ويشمل الأمراء الجائرين والكهان والسحرة ومن حكم بغير ما أنزل الله، والطواغيت كثيرة: اسم الطاغوت يطلق على كل مجاوزة للشرع ولو لم تكن كفرًا، فالطواغيت قسمان: طاغوت أكبر؛ وهو من تجاوز الحد حتى كفر بالله، وطاغوت أصغر، وهو من تجاوز الحد، لكنه لم يصل لحد الكفر بالله، ورؤوسهم: أي كبراءهم، خمسة: بدليل الاستقراء، إبليس: وهو رئيس الشياطين الذي أبى السجود لآدم، وهو طاغوت معبود، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} سورة يس (60) ، وطاغوت متبوع مطاع، قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} سورة إبراهيم (22) ، لعنه الله: اللعن هو الطرد من رحمة الله، واللعن على قسمين: لعن أكبر وهو الطرد الكلي من رحمة الله؛ كطرد إبليس والمشركين، ولعن أصغر وهو الطرد الجزئي من رحمة الله؛ كلعن بعض عصاة المسلمين، والرأس الثاني من رؤوس الطواغيت: ومن عُبد وهو راض: سواء عُبد في حياته أو بعد مماته، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة:"يحشر الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه؛"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت