يَشَاءُ من عباده إذا أتوا بأسباب المغفرة، {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من عباده إذا أتوا بأسباب العذاب، {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ، فأيُّ شيءٍ خَصَّكم بهذه الفضيلة، وأنتم مِن جُملة مملوكات الله تعالى الذين يرجعون إليه في الدار الآخرة، فيجازيهم بأعمالهم؟
الآية 19: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} محمد صلى الله عليه وسلم {يُبَيِّنُ لَكُمْ} الحق والهدى {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} : يعني بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله وإرسال عيسى ابن مريم؛ {أَنْ تَقُولُوا} : يعني لِئَلاَّ تقولوا: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ} فإنه لا عُذرَ لكم الآن بعد إرساله إليكم، {فَقَدْ جَاءَكُمْ} من الله {بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فهو سبحانه قديرٌ على عقاب العاصي، وعلى إثابة المطيع، وعلى مغفرة ذنوب التائب، قال تعالى في الحديث القدسي: (مَن عَلِمَ أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب: غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يُشرك بي شيئًا) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 4330) .
•ولذلك ينبغي للعبد المؤمن كلما تذكر هذه الجملة: (والله على كل شيءٍ قدير) ، أن يتذكر أنه سبحانه قادرٌ أن يغفر له يوم يقرره بذنوبه، وقادرٌ أن يثبته في القبر عند سؤال الملكين، فيتقلب قلبه حينئذٍ بين الخوف من ذنوبه، وبين الرجِاء في قدرة الله تعالى على المغفرة.
الآية 20: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} تَملِكون أمركم بعد أن كنتم مملوكين لفرعون وقومه، {وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} : يعني وقد منحكم مِن نِعمه صُنوفًا لم يَمنحها أحدًا من عالَمي زمانكم، مِثل المَنّ والسلوى وغير ذلك.
الآية 21: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} : أي الأرض المُطهَّرة، (وهي"بيت المَقدس"وما حولها) ، فهذه الأرض هي {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} : أي التي فرض الله عليكم أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} : يعني ولا ترجعوا عن قتالهم، فتخسروا خَيرَي الدنيا الآخرة.
الآية 22: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} : أي أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، {وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} : يعني وإنَّا لن نستطيع دخولها وهم فيها، {فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} .
الآية 23: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} : يعني يخشون الله تعالى، وقد {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} بطاعته وطاعة نبيِّه، فقالا لِبَني إسرائيل: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} : أي ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .