الصفحة 25 من 37

الآية 67: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} (وقد بَلَّغَ الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة ربه كاملة) ، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لو كانَ النبي صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا من الوحي، لَكَتَمَ هذه الآية:(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) ) ، ثم يقولُ تعالى مُطَمْئِنًا لرسوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فلا تخَفْ من المخلوقين، فإنَّ نَوَاصيهم بيد الله، وقد تكَفَّلَ سبحانه بعِصْمتك، فأنتَ إنما عليك البلاغ المبين، فمَن اهتدَى فلنفسه، ومَن كفر فـ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} .

-ومِن لطيفِ ما يُذكَرُ في قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أن المسلمين كانوا - قبل نزول هذه الآية - يَمشون حول رسول الله في كل مكانٍ يَنتقل إليه (خوفًا عليه من اليهود - قتلة الأنبياء) ، لدرجة أنَّهم كانوا يَتناوَبُون في حراسة بيتِهِ كل ليلةٍ وهو نائم، فلما نزلتْ هذه الآية ليلًا، طلبَ الرسول صلى الله عليه وسلم مِن أصحابه الانصراف، فلمَّا سألوه عن السبب، قال لهم: (قد عَصَمَنِي الله) ، يقول العَلاَّمَة"بارتملى هِيلَر"بعد إسلامه: (لَمَّا وَعَدَ اللهُ رسوله بالحِفظ بقوْلِهِ: {واللهُ يَعصِمُكَ مِن الناس} ، صَرَفَ النبيُ حُرَّاسَه، والمرءُ لا يَكذِبُ على نفسِه، فلو كانَ لِهذا القرآن مَصدَرٌ غير السماء: لأَبْقى محمدٌ على حِراسَتِه) .

الآية 68: {قُلْ} أيها الرسول لليهود والنصارى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} إنكم {لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ} مِن الدين الحق، ولستم أهل نُصرة الله تعالى ومحبته {حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} : يعني حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} : يعني وإنّ كثيرًا من أهل الكتاب لا يزيدهم إنزالُ القرآن إليك إلا تجبُّرًا وجحودًا، فهم يحسدونك لأن الله بعثك بهذه الرسالة الخاتمة، التي بَيَّن فيها معايبهم، {فَلَا تَأْسَ} : أي فلا تحزن أيها الرسول {عَلَى} تكذيب {الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} .

الآية 69: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا} (وهم المسلمون) ، {وَالَّذِينَ هَادُوا} (وهم اليهود) ،- {وَالصَّابِئُونَ} كذلك - (وهم قومٌ باقون على فِطرتهم(يعني: على التوحيد) ، ولا دين مُقرَّر لهم يتبعونه)، {وَالنَّصَارَى} (وهم أتْباع المسيح عليه السلام) ، هؤلاء جميعًا {مَنْ آَمَنَ} منهم {بِاللَّه} إيمانًا كاملًا، وذلك بتوحيد الله تعالى والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، {وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من أهوال يوم القيامة، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما تركوه وراءهم في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت