التوراة، والعمل بها، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} : يعني وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد حكموا بين اليهود بكتاب الله.
-ثم يقول تعالى لعلماء اليهود: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ} في تنفيذ حُكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضرِّكم، {وَاخْشَوْنِ} وحدي، فإني أنا الذي أملك النفع والضر، {وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} : يعني ولا تأخذوا عِوَضًا حقيرًا مِن الدنيا مقابل ترْك الحُكم بما أنزلتُ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} : واعلم أنَّ العلماء قد اختلفوا بشأن هذه الجملة: هل هي في المسلمين، أو في اليهود (اتفاقًا مع سِياق الآية) ؟
-وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية: (ليس الكُفر الذي تذهبون إليه) أي إنّ المراد بالكفر فيها: (كُفر دونَ كُفر) ، يعني ليس الكُفر المُخرج من المِلَّة، وقال القرطبي في تفسيره: (فأما المسلم فلا يُكَفَّر وإن ارتكب كبيرة) ، طبعًا إلا إذا استحَلَّ الكبيرة، وقال: إنها حلال، فحينئذٍ تُقامُ عليه الحُجّة من عالمٍ يثق هو في عِلمه، (هذا مع الأخذ في الاعتبار دائمًا أنَّ العُذر بالجهل قاعدة شرعية أصُولِيَّة، وأنه مِن صُلب هذا الدِين) .
الآية 45: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} : يعني وفَرَضنا عليهم في التوراة: العدل والمساواة في القِصاص، فشَرَعْنا لهم {أَنَّ النَّفْسَ} تُقْتَل {بِالنَّفْسِ} ، {وَالْعَيْنَ} تُفْقَأ {بِالْعَيْنِ} ، {وَالْأَنْفَ} يُقطَع {بِالْأَنْفِ} ، {وَالْأُذُنَ} تُقْطع {بِالْأُذُنِ} ، {وَالسِّنَّ} تُقْلَعُ {بِالسِّنِّ} ، بمعنى أنه إذا قلع شخصٌ إحدى الأسنان لشخصٍ آخر (أو كَسَرها) ، فإنّه يَقتص منه بقلْع سِنِّهِ (أو كَسْرها) ، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} : يعني وشَرَعْنا لهم أنَّه يُقْتَصُّ في الجِراحات أيضًا بالعدل والمساواة، {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} : أي فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} : يعني فإنّ ذلك العفو يكونُ تكفيرًا لبعض ذنوبه وإزالةً لها، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} في القِصاص وغيره {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
الآية 46، والآية 47: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ} : يعني وأتْبَعْنا أنبياءَ بني إسرائيل {بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} ، فكانَ عليه السلام {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} : أي مؤمنًا بالتوراة، فلم يُنكرها ولم يَتجاهلها، {وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} : يعني وأنزلنا إليه الإنجيل هاديًا إلى الحق، ونورًا مُبَيِّنًا لِما جَهِلَهُ الناس مِن حُكم الله تعالى، {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} : أي وكان الإنجيل شاهدًا على صِدق التوراة، مُقَرِّرًا لأحكامها (إلا ما نسخه اللهُ منها بالإنجيل) ، {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} : يعني وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله، ورادعًا لهم عن ارتكاب المحرَّمات، فإن أهل التقوى هم الذين ينتفعون بهذا الهدى.