الصفحة 20 من 61

الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم"."

-ومن الحكمة أن يقوم المسلم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بيِّنة وبصيرة. يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله:"فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر؛ العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده"فقبل أن تأمر وتنهى لابد أن تعلم أن هذا منكر أو معروف، وتنظر إلى المصلحة والمفسدة، وحال المأمور والمنهي.

وبعد ذلك لابد من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فقد الرفق عند كثير من الناس، لا لضعف في إيمانهم ولا لعدم حرصهم أو غيرتهم؛ بل لأن الإنسان يريد أن يوصل الحق إلى الناس بأسرع وقت دون أن يتحمل الرد والمجابهة، ومن قوته في الحق يظن أنه لابد أن يكون عنيفًا متعسفًا في إنكار المنكر، مع أن عنفه هذا لا يليق؛ لأن النفوس البشرية كالزجاج؛ كسرها لا يجبر، فلو أسأت إلى إنسان فلربما حمل عليك الدهر كله، حتى أخوك -الذي بينك وبينه رابطة الإيمان والمحبة- إذا نصحته بعنف فربما فرق الشيطان بينكما، فما بالك بمن هو فاعل لما نهى الله عنه أو تارك لما أمر الله به؟!

فلابد من الرفق، وهذا الرفق يعبر عنه بالأسلوب الحسن، ومن الرفق عرض الحُجج بلطف وتودد، ولا يعني ذلك أن للخصم حُجة، فإن خصوم السنة كلهم حُجتهم داحضة، لكن من أجل أن تسمع ما عنده، وتحاوره كما تحاوَر الرسل مع أقوامهم، ومن ذلك ما قصه الله في مواضع كثيرة مما دار بين موسى وهارون عليهما السلام وبين الطاغية الجبار فرعون.

فلابد أن يكون الرفق مصاحبًا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصبر يكون بعده، فإذا ما عرضت الأمر والنهي -بعد العلم به وبحال المأمور والمنهي- على أفضل صورة محققًا الرفق مع المدعو، فبعد ذلك وطن نفسك على الصبر؛ لأنك قد تؤذى، كما قال الله لنبيه:"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ" (القلم 48) فصاحب الحوت لم يصبر، وكان يعجب كيف يقول للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وهم يعلمون صحة رسالته وأمانته وديانته، ومع ذلك يرفضون ذلك ولا يؤمنون به، فخرج مُغاضبًا، ولم يتحمل هذا الرد وهذه المجابهة، وركب في السفينة كي يبتعد عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت