الأفق الأعلى:
وإذا كانت معطيات الأدب الإنساني يتعلق بالإنسان وبالأرض؛ فإن للأدب القائد أفقًا أعلى لا يتعلق بالمحسوس، إنه ينظر إلى الحياة التي يعيشها ويصعد بها إلى الحياة الخالدة ويوجه إليها.
جعفر بن أبي طالب والشعر:
معركة مؤتة من المعارك المعجزة في التاريخ؛ ثلاثة آلاف تصدت لمئتي ألف، قاتل زيد بن حارثة القائد الأول حتى استشهد، فتسلم الراية القائد الثاني جعفر وقال:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردًا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
كان هذا البطل في موقع الاستعلاء وهو يقود ثلاثة آلاف مسلم ضد مئتي ألف روماني، إن نظرته إلى الحياة الخالدة رفعته فوق الخوف في موطن الخوف، وجعلته هجوميًا: (علي إذ لاقيتها ضرابها) .
عمر بن الخطاب والشعر:
هذه النظرة إلى الحياة، وإلى أدب هذه الحياة، أوجدت ميزانًا للنقد يختلف عن موازين المتحذلقين من النقاد، نقد للأدب وتقويم للحياة وفق هذا الميزان النقدي؛ ذلك ما رأيناه عند الفاروق عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه، فقد روت لنا كتب الأدب أن عمر سمع الشاعر عبد بني الحسحاس ينشد:
عميرة ودع إن تجهزت غازيا
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك،.
وسمع عمر شاعرًا ينشد:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا بالجوسق المتهدم
فقال: إي والله، إنه ليسوؤني ذلك، وعزله عن عمله.