" (وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ) ، أَيِ الْحَاذِقُ مِنَ الْمَهَارَةِ وَهِيَ الْحِذْقُ، جَازَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَوْدَةُ الْحِفْظِ أَوْ جَوْدَةُ اللَّفْظِ وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ كِلَيْهِمَا وَأَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ الْكَامِلُ الْحِفْظِ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الْجَعِيِرِيُّ فِي وَصْفِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَةِ: كُلُّ مَنْ أَتْقَنَ حِفْظَ الْقُرْآنِ وَأَدْمَنَ دَرْسَهُ وَأَحْكَمَ تَجْوِيدَ أَلْفَاظِهِ وَعَلِمَ مَبَادِيهِ وَمَقَاطِعِهِ وَضَبَطَ رِوَايَةَ قِرَاءَتِهِ وَفَهِمَ وُجُوهَ إِعْرَابِهِ وَلُغَاتِهِ وَوَقَفَ عَلَى حَقِيقَةِ اشْتِقَاقِهِ وَتَصْرِيفِهِ وَرَسَخَ فِي نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَأَخَذَ حَظًّا وَافِرًا مِنْ تَفْسِيرِهِ وَتَأْوِيلِهِ وَصَانَ نَقْلَهُ عَنِ الرَّأْيِ وَتَجَافَى عَنْ مَقَايِيسِ الْعَرَبِيَّةِ وَوَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَجَلَّلَهُ الْوَقَارُ وَغَمَرَهُ الْحَيَاءُ وَكَانَ عَدْلًا مُتَيَقِّظًا وَرِعًا مُعْرِضًا عَنِ الدُّنْيَا مُقْبِلًا عَلَى الْآخِرَةِ قَرِيبًا مِنَ اللَّهِ فَهُوَ الْإِمَامُ الَّذِي يُرْجَعُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ وَيُهْتَدَى بِأَفْعَالِهِ (مَعَ السَّفَرَةِ) جَمْعُ سَافِرٍ وَهُمُ الرُّسُلُ إِلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِ اللَّهِ -تعالى- وَقِيلَ: السَّفَرَةُ الْكَتَبَةُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: أَيِ الْكَتَبَةُ جَمْعُ سَافِرٍ مِنَ السَّفَرِ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ فَإِنَّ الْكَاتِبَ يُبَيِّنُ مَا يَكْتُبُ وَيُوَضِّحُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكِتَابِ سِفَرٌ بِكَسْرِ السِّينِ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ الْحَقَائِقَ وَيُسْفِرُ عَنْهَا وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ حَمَلَةُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا قَالَ -تعالى- بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْكُتُبَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُنَزَّلَةَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ فَكَأَنَّهُمْ يَسْتَنْسِخُونَهَا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمْ كَوْنُهُ مِنْ خَزَنَةِ الْوَحْيِ وَأُمَنَاءِ الْكُتُبِ، قَالَ مِيرَكُ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَا نَسَخُوا الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: السَّفَرَةُ الْمَلَائِكَةُ الْكَاتِبُونَ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ أَوْ مِنَ السَّفَارِ بِمَعْنَى الْإِصْلَاحِ فَالْمُرَادُ هُمْ حِينَئِذٍ الْمَلَائِكَةُ النَّازِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ مِنْ حِفْظِهِمْ عَنِ الْآفَاتِ وَالْمَعَاصِي وَإِلْهَامِهِمُ الْخَيْرَ فِي قُلُوبِهِمْ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ:"