الصفحة 104 من 145

من فوقه، كما تجلَّلت العروسُ قناعَها وهو جلبابُها إذا أدنت طرفه من فوقها على وجهها، فكان خمارًا لوجهها لا يكشفه عن زينته إلا زوجُها.

فإدناء الشيء على الشيء في لسان العرب هو إرخاؤه عليه حتى يواريَه.

وقال مالك بن خالد الهذلي الخُناعي يصف صائدًا [1] :

يُدْنِي الحَشِيفَ عليها كي يواريَها ... ونَفْسَهُ وَهْوَ للأطْمارِ لَبَّاسُ

قال أبو سعيد السكَّري في شرح البيت: (( الحَشِيفُ ثوبٌ خَلَقٌ، يُدْنيه عليها: على القَوْس مخافةَ النَّدَى ) ).

يقول أدنى هذا الثوبَ على قوسه كي يواريَها ويواريَ نفسَه، فالإدناءُ مُفسَّرٌ في البيت بأنه إرخاءُ الثوب من فوق القَوْس والرامي حتى يواري ما أُرخي عليه.

وقال زُمَيل بن أُبيْر الفَزاري، وكان عثمان - رضي الله عنه - قد طلبه بجنايةٍ [2] :

فمَنْ مُبْلِغٌ فتيانَ قوميَ أنني ... تَسَمَّيتُ لما شبَّت الحربُ زينبا

وأَرْخَيْتُ جِلبابي على نَبْتِ لحيتي ... وأبْدَيْتُ للناسِ البَنانَ المُخَضَّبا

وفي رواية صاحب الأغاني (وأَدْنَيْتُ جلبابي) وكلاهما بمعنى، يقول تَشَبَّهتُ بالنساء فأرخيت الجلباب من فوق رأسي على شعر لحيتي حتى سترها عن الناس.

فتبيَّنَ أنَّ لُبْسَ الجلبابِ هو جَعْلُه من فوق الرأس، أما إدناؤه فهو إرخاء طرفه من أمام ليفضُلَ منه ما ينسدلُ ويتدلَّى على الوجه ليستره ويُخمِّره.

فالقرآنُ أمَرَ المؤمناتِ بإدناء الجلابيب، فصار الفرض عليهنَّ لُبس الجلباب أولًا، ثم إرخاؤها حتى ينسدل منها على الوجوه ما يسترها ثانيًا.

(1) شرح أشعار الهذليين، روايةً عن الأصمعي بشرح أبي سعيد السكَّري (1/ 441) .

(2) تاريخ المدينة لعمر بن شبة النميري (3/ 1060) ، والأغاني (24/ 142) ونسبها للقتَّال الكلابي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت