فهرس الكتاب
تمهيد:
ابتدأت الشريعة فَرْضَ أحكام هذا الباب والناسُ الذين نزلت فيهم كانوا على عاداتهم، وفيهم من الحشمة والغَيْرة ما هو خيرٌ من كثيرٍ من المسلمين اليوم، ولكنَّ الشريعةَ لا تَدَعُ ضبط هذا الباب موكولًا إلى أعراف الناس وعاداتهم، وإنما تأتي بإتمام الحشمة وبأسباب العصمة، لأنَّ العُرْفَ والعادةَ عُرْضةٌ للتبدُّل والتغيير.
فنقلت الشريعةُ الناسَ من تفاوتِ عاداتهم إلى شريعةٍ واحدة، ومن أخذ الحشمة عن موروثهم وأعرافهم وحسب إلى أخذها عن شريعته المنزَّلة، لتصير عقيدةً ودينًا لا عُرْفًا وعادةً لا يُؤمَن تَغَيُّرها.
ولذلك تدرَّجت الشريعة في فَرْضِ أحكام هذا الباب، ولم تزل تحمل الناس فيه على الأكمل فالأكمل، حتى أتمَّ الله عليهم النعمة ووثَّقهم بأسباب العصمة، وأرغم أنفَ كلِّ منافقٍ ومرجف.
والله تعالى قد فصَّل في سورة النور وفي سورة الأحزاب عامةَ أحكام هذا الباب؛ ففي سورة النور فصَّل أحكام الاستئذان والبصر وإبداء الزينة وإخفائها فأغلق أبواب الفتن وخطوات الشيطان إلى الفاحشة.
وفي سورة الأحزاب فصَّل ما فيه إتمام كفِّ الأذى عن عرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعن أعراض المؤمنين والأسبابَ المحصلة لطهارة القلوب.
فجاء الخطاب في كلا السورتين بما يناسب المقام؛ ففي سورة النور خاطبَ المؤمنات باسم الإيمان: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ} ، وهذا خطابٌ يشمل الحرائر والإماء، أما في سورة الأحزاب فكان الخطاب لنساء المؤمنين، وهُنَّ الحرائر.
قال أبو عمر ابن عبد البر [1] : (( العلماء مجمعون على أنَّ الله عز و جل لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب وأنْ يدنين عليهن من جلابيبهن الإماءَ، وإنما أراد بذلك الحرائر ) ).
وليس في زيادة الفرض على الحرائر تهوينٌ من شأن الإماء وإنما هو تمييزٌ للحرائر
(1) الاستذكار (8/ 542) .