فهرس الكتاب
ومَرَاضعه - صلى الله عليه وسلم - لم يُسَمَّ منهنَّ في السيرة من وجوهٍ معتمدة إلا ثويبة وحليمة، فأما حليمة فأمرها لم يكن رضاعًا وحسب بل كان مسترضعًا في بني سَعْدٍ مدةً من عُمُره واقترن باسترضاعه أمورٌ من إرهاصات النبوة أخبر هو بها - صلى الله عليه وسلم - بعد نبوته فاشتهر ذكر حليمة، وأما ثويبة فلم تُذْكَر قَصْدًا وإنما ذُكرت تبعًا لعَرْض بنت حمزة وبنت أبي سلمة عليه لينكحهما، ولولا ذلك ما علم بعضُ أقاربه الأقربين بأمرها، ولذلك يدور أهل السيرة في ذكر رضاعه منها على هذا الخبر.
فهذا الحديث دليلٌ على أنَّ معرفة أسماء كلِّ محارمه - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة ليس من الشريعة التي يجب بيانها ابتداءً وإنما هو من شؤونه المحضة التي لا يتعلَّق بها شريعة، فقد يعلمها أهل السيرة وقد لا يعلمونها.
قال الزبير بن بكار يذكر أمَّ الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الزبير المنتهى في معرفة أنساب قريش ووشائجها وقراباتها؛ قال [1] : (( يقال: كانت أخته من الرضاعة، وكان يزورها بالمدينة ) ).
فهذه إن تَحَقَّق ما قيل امرأةٌ من محارمه من الرضاعة ولم يذكر ذلك أحدٌ من أهل الحديث ولا من أهل السيرة، ولولا أنَّ نسَّابةً ثقةً ذكر ذلك ما علم الناسُ به، ولم يذكر الزبير مَن التي أرضعتهما من مَرَاضعه فذهَبَ العلم به ولن تجد مخبرًا بذلك ولا بسائر محارمه - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة اللاتي لم يتهيَّأ سببٌ يدلُّ على محرميته منهنَّ ولا ذَكَرهنَّ أحدٌ من أهل النسب فلم نعلمهنَّ، لأنَّ العلم بهنَّ ليس من الشريعة الواجب نقلُها وتكفَّل الله تعالى بحفظها، ولو كان من الشريعة لنقله أهل العلم بالشريعة ولما خفي حتى لا ينقله إلا الزبير.
فهذا خفاءُ رضاعة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فكيف برضاعة أُمِّه أو أبيه؟!
فإنَّ العربَ كانوا يُحَرِّمون بالرضاعة وذلك من بقية دين إبراهيم - عليه السلام - التي ورثوها، ولكنهم لم تكن عادتهم أن ينوِّهوا بها تنويههم بالأنساب، فهي عندهم لا تُذْكَر إلا عرضًا ولمناسبةٍ اقتضتها لأنها إنما تعني أصحابَها دون غيرهم، ولذلك تخلو كتب الأخبار والنسب من ذكر قرابات الرضاعة إلا النادر العارض.
إذا تبيَّن ذلك فإنَّ الذي افتتح الاعتراض على محرمية النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سليم من قِبَل
(1) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (8/ 191) .