الصفحة 133 من 157

سلسلة مقالات لحسن علية

نيكولا كوبرنيك محيي العقيدة الفيثاغورية

كلنا يدرك بأن من أعوص مشاكل الحضارة السائدة حاليا هو ضحالة المعاني التي تقدمها للإنسان والحياة، حيث تم اختزال الوجود في جزئه المادي القهري، مما ضيق أفقًا كان رحبًا، وأظلم سماء كانت مضيئة، والسؤال: كيف تم التحول من سعة أفق التوحيد، والزخم العظيم للمعاني التي لا تنضب إلى عدمية المادة وإلغاء الإنسان، إن المعاني التي نضفيها على حياتنا في مستوياتها المختلفة إنما نستوحيها من الثقافة التي نغذى بها عقولنا، وتترسخ في قلوبنا من خلال عملية التعلم التي يباشرها الإنسان منذ ولادته وحتى ساعة الغرغرة، إن المنظومة القيمية والأخلاقية هي أهم إفرازات الثقافة التي تقوم بإدارة وتوجيه المجتمعات منطلقة من إدارة الأفراد، لذا كانت دعوة الأنبياء تتركز على إعادة التعريف الصحيح لعلاقة الإنسان بخالقه وبالموجودات التي حوله حتى يتمكن من تأسيس واقع إيماني يمكن من خلاله أداء العبادة الخالصة لله، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصف جبل أحد فيقول: «هذا جبل يحبنا ونحبه» ، في تعريف رائع لعلاقة المسلم بالموجودات التي خلقها الله - سبحانه وتعالى - حوله، لذا فكل حضارة لابد لها من أن تعرف الظواهر الطبيعية وعلاقة الإنسان بها تأثرًا وتأثيرًا، وهذا ما تم فعله في بداية حقبة الحضارة الغربية الحالية، حيث انطلقت من إعادة تعريف موضع الأرض من الكون، ومن ثم تم إعادة تعريف موضع الإنسان من الحياة، وهذا ما جاء به كوبرنيك أساسًا، فاستبعاد الأرض من مركز الكون، وجعلها كوكبًا لا ميزة له على غيره؛ أدى إلى إلغاء فكرة تكريم ابن آدم، وأنه يعيش في كون خلق له وسخر لخدمته، لقد كان ذلك هدمًا مباشرًا للعقيدة التوراتية والقرآنية المبنية على مركزية الإنسان في الحياة، وأنه يعيش في كون خلق له وسخر له من قبل حكيم عليم، حتى ينظر ماذا سيفعل، ويحاسبه على ذلك، وقد أدركت الكنيسة أبعاد هذا القول؛ لذا فقد حاربت هذه الدعوى، نظرًا لإدراكها للأبعاد الحقيقية للموضوع، وما سيترتب عنه من انحرافات عقدية في غاية الخطورة، سنحاول في الأسطر التالية إلقاء الضوء على الدوافع الكامنة التي أدت بكوبرنيك إلى القول بثبات الشمس، وعلاقتها بالإطار الزماني الذي عاش فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت