الصفحة 38 من 153

وإذا كان لكل لون من ألوان الأدب خصائص ومميزات تبرز سماته وترسم أبعاده، وتحدد غاياته، وترقى بمؤدبيه ومتلقيه إلى أرفع درجات الكمال من التأثر والتأثير والمتعة إذا كان ذلك من خصائص كل أدب فإن الأدب الإسلامي بجميع ألوانه يستجمع هذه الخصائص والمميزات ويزيد عليها، لأنه في خصائصه ومميزاته أدب نابع عن التصور الإسلامي للحياة والأحياء فكان لزاما أن يكون من خصائص ذلك النص الفريد من كلام عمر تلك السمات التي ينادي بها علماء الأخلاق والاجتماع ورجال الفكر والأدب من مثل خصوصية الالتزام، وخصوصية الشمول والعموم، والواقعية والايجابية والإبداع، وحسن الإتباع، والأديب الملتزم ليس ذلك الأديب الذي لا يخرج عن نطاق بيئته إلى بيئة أخرى وإنما الأديب الملتزم هو ذلك الأديب الذي يطل بعطائه من نافذة واسعة على مجتمعه ليعالج ما يشكوه من أدواء ويخرج بأدبه على الأدب العالمي ليأخذ منه بمقدار على حسب ما يخدم العقيدة وتلك الخصائص قد تحققت في هذه الخطبة فقد استطاع عمر بن عبدالعزيز رحمه الله أن يبرز الأدواء ويضع الدواء النافع من خلال هدى الإسلام الذي يميز الشخصية الإسلامية، ويطبع سيرتها الذاتية بطابع الخلق القويم، ولنا أن نسأل:

-ماذا عن السيرة الذاتية للأديب المسلم، من خلال عطائه الفكري، ومن خلال ما يكتبه عن نفسه إن جاز له أن يؤرخ لحياته الأدبية والعلمية وبخاصة من كان مفكرا وخطيبا مسلما كعمر بن عبدالعزيز رحمه الله.

إن الأدب في أجناسه جميعها يعتبر في أبسط مفهوم له مادة ينزع عنها الأديب ويصدر منها ما يراه نافعا وما يراه ضارا، ومعلوم أن البيئة بزمانها ومكانها وملابساتها تكاد تكون مصدر حكم نقدي من الأديب وعليه، فان صدق في مضمون عبارته ونحا بها صوب العطاء النافع كان ذلك الأديب الذي يحس بنفسه ويحس به مجتمعه، وأن يساير الإحداث مؤيدا لتفاعلاتها أيا كانت، وإن حاول تغطية الصحيح من القول معنى ومبنى كان ذلك الأديب الذي تلعب به عواطفه ولا يستطيع التحكم فيها ولا مغالبتها وحملها على الحق الصراح الذي تمليه رسالة الأديب ومهمته في الحياة، وإذا وقفنا على عدد من قصائد الشعراء وقصص القصاصين وأعمال الأدباء عامة، فقد لا نجد ذلك اللون الصادق المصدوق مما يحرره الأدباء عن سيرهم الذاتية أو يكتبه غيرهم عن حياتهم وملابساتها وتكاد تكون هذه الظاهرة أو هذه الخصوصية إنما تصدق في إطارها ومضمونها على هذه الخطبة فهي في موضوعاتها وأفكارها سيرة ذاتية تنم عن شخصية فذة في السلوك والأتباع والانتفاع بأحكام الإسلام ومثله الرشيدة ويؤيد هذا المبدأ الخلقي في رسم أبعاد الشخصية الإسلامية قول عمر من خطبته تلك: أما أنى أقول هذا، وما اعلم أن عند احد من الذنوب أكثر مما عندي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت