وقبل أن ندرس - بالتفصيل - فنون الأدب الإسلامي من خطبة وقصة وشعر يحسن أن نسوق بعض الشواهد من النصوص الإسلامية لنقف على شيء من خصائصها.
إليك من كلام العرب ما يقرع الخصم، ويقطع الحجة، ويثبت العقل، ويستثير الحماس، ويمتع العواطف، ويلهب المشاعر، ويفيض بسحر البيان وأسر الجنان.
قال الخليفة المعتصم في كتاب له إلى عبدالله بن طاهر، وكانت في نفس المعتصم عليه حزازة.
أما بعد: عافانا الله وإياك قد كانت في قلبي منك هنات غفرها الاقتدار، وبقيت حزازات أخاف منها عليك عند نظري إليك. فإن أتاك ألف كتاب مني أستقدمك في كل واحد فلا تقدم. وحسبك معرفة بما أنا منطو لك عليه .. إطلاعي إياك على ما في ضميري منك والسلام.
وطلب الحجاج إلى المهلب بن أبي صفرة أن اكتب لي عن خبر الوقيعة في خراسان، واشرح لي القصة كأني أشاهدها. وعن خبر بني المهلب وأيهم أشجع .. فأرسل المهلب إلى الحجاج كعبا بن معدان الأشعري فجاء من كلامه: أما بنو المهلب: فالمغيرة سيدهم وكفاك بيزيد فارسا وما لقي الأبطال مثل حبيب، وما يستحي شجاع أن يفر من مدرك، وعبدالملك موت زعاف وسم ناقع، وحسبك بالمفضل في النجدة، واستجهز قبيصة، ومحمد ليث غاب. فقال الحجاج: ما أراك فضلت منهم واحدًا عليهم. فأيهم أشجع من أخيه، قال كعب: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. قال الحجاج: فأخبرني عن رضا الجند على المهلب، ورضا المهلب على الجند.
قال كعب: أعز الله الأمير للمهلب على جنده شفقة الوالد ولهم به بر الوالد.
وبعد فهذا غيض من فيض من كلام السادة والقادة فكيف بكلام أرباب اللسن والفصاحة وعلماء البيان وصناع الكلام وبخاصة من كان من فن الشعر فهو أقدر على التصوير.
إليك هذه المذهبة العينية لشاعر الإسلام الصحابي المجاهد كعب بن مالك الأنصاري، أبيات جديرة بالدراسة والنظرة الفاحصة إنها قصيدة لشاعر أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما له من مواقف تشهد بصدق إيمانه، ورسوخ العقيدة في نفسه هذه القصيدة نظمها كعب في الرد على عبدالله ابن الزبعرى. اشتملت وحدتها العضوية على صور أدبية فنية صاغها - كعب رضي الله عنه - بريشة الشاعر المبدع فجاءت قصيدته خطابا للعقل والعاطفة متسمة بالواقعية والتاريخ والصدق الشعوري وهذه الخصائص مجتمعة تؤكد ثبوت الشعر الإسلامي وقوته وتفاعله وأثره وتأثيره وإن ما يراه بعض النقاد قدماء ومعاصرين من أن الشعر الذي نظمه شعراء الإسلام من الرعيل الأول فقد بعض السمات الفنية من توهج العواطف، والإبداع في الصور، وسعة الخيال، وتميز بخصائص