كَانَ بَلَغَ السَّحْرَ فَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَصَابَ أَطْرَافَهُ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، قِيلَ لَهُ: وَثَبَ عَلَيْهِ فَدَقَّ ظَهْرَهُ، قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُؤْكَلَ، هَذَا لَا يَعِيشُ مِنْهُ، قِيلَ لَهُ: فَالذِّئْبُ يَعْدُو عَلَى الشَّاةِ فَيَشُقُّ بَطْنَهَا، وَلَا يَشُقُّ الْأَمْعَاءَ، قَالَ: إِذَا شَقَّ بَطْنَهَا، فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَلَ، (قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ) وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا مَرْجُوحٌ، وَأَنَّ الصَّوَابَ غَيْرُهُ، وَقَدْ نَقَلْنَا عِبَارَتَهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَحْثِ.
أَمَّا الذَّكَاءُ وَالذَّكَاةُ وَالتَّذْكِيَةُ وَالْإِذْكَاءُ فَمَعْنَاهَا فِي أَصْلِ اللُّغَةِ: إِتْمَامُ فِعْلٍ خَاصٍّ أَوْ تَمَامُهُ، لَا مُجَرَّدَ إِيقَاعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ وُقُوعِهِ، يُقَالُ: ذَكَتِ النَّارُ تَذْكُو ذَكْوًا وَذَكًا وَذَكَاءً: إِذَا تَمَّ اشْتِعَالُهَا، وَالشَّمْسُ إِذَا اشْتَدَّتْ حَرَارَتُهَا كَأَتَمِّ مَا يُعْتَادُ وَأَكْمَلِهِ، وَذَكَى الرَّجُلُ - كَرَمَى وَرَضَى - نَمَتْ فِطْنَتُهُ، وَأَذْكَى النَّارَ وَذَكَّاهَا تَذْكِيَةً. وَذَكَّى الْبَهِيمَةَ: إِذَا أَزْهَقَ رُوحَهَا، وَإِنْ بَدَأَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ، أَوْ عَرَضَتْ لَهَا عِلَّةٌ تُوجِبُهُ لَوْ تُرِكَتْ، إِذِ الْعِبْرَةُ بِالتَّمَامِ، قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الذَّكَاءُ شِدَّةُ وَهَجِ النَّارِ، يُقَالُ: ذَكَّيْتُ النَّارَ: إِذَا أَتْمَمْتَ إِشْعَالَهَا وَرَفْعَهَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ذَبْحُهُ عَلَى التَّمَامِ، وَالذَّكَا تَمَامُ إِيقَادِ النَّارِ مَقْصُورٌ يَكْتُبُ بِالْأَلِفِ. اهـ.
أَقُولُ: ذِكْرُ الذَّبْحِ مِثَالٌ، وَمِثْلُهُ غَيْرُهُ مِمَّا تَتِمُّ بِهِ الْإِمَاتَةُ ; كَنَحْرِ الْبَعِيرِ وَطَعْنِ الْمُتَرَدِّيَةِ فِي الْبِئْرِ وَالْحُفْرَةِ، وَخَنْقِ الْجَارِحِ الصَّيْدَ. وَالذَّكَاءُ: السِّنُّ - الْعُمُرُ - أَيْضًا. يُقَالُ: بَلَغَتِ الدَّابَّةُ الذَّكَاءَ أَيِ السِّنَّ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَعْمَارَهَا بِرُؤْيَةِ أَسْنَانِهَا، وَمِنْهُ:"جَرْي الْمُذْكِيَاتِ غِلَابٌ"وَهِيَ الْخَيْلُ تَمَّتْ قُوَّتُهَا، وَأَشْرَفَتْ عَلَى النَّقْصِ ; فَهِيَ تُغَالِبُ الْجَرْيَ مُغَالَبَةً، وَذَكَّى الرَّجُلُ - بِالتَّشْدِيدِ - أَسَنَّ وَبَدِنَ. وَفِي السِّنِّ مَعْنَى التَّمَامِ، قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَتَأْوِيلُ تَمَامِ السِّنِّ النِّهَايَةُ فِي الشَّبَابِ، فَإِذَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ أَوْ زَادَ فَلَا يُقَالُ لَهُ الذَّكَاءُ، وَالذَّكَاءُ فِي الْفَهْمِ: أَنْ يَكُونَ فَهْمًا سَرِيعَ الْقَبُولِ. ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي ذَكَاءِ الْفَهْمِ وَالذَّبْحِ: إِنَّهُ التَّمَامُ، وَإِنَّهُمَا مَمْدُودَانِ. اهـ. ثُمَّ نَقَلَ أَقْوَالًا عَنِ اللُّغَوِيِّينَ فِي كَوْنِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ذَكَاةً، وَذَكَرَ أَقْوَالَ بَعْضِهِمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ،