وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَمَّنْ عِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ، وَلَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهُ، وَيُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْهُ؟ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِهِ وَلَا أَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ عَطَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ وَزْنِهِ ذَهَبًا.
وَقَالَ سُفْيَانُ فِيمَنِ اشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ شَيْئًا مَغْصُوبًا: يَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ، تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهُ، وَلَا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ، وَكَذَا قَالَ فِيمَنْ بَاعَ شَيْئًا مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ لِشُبْهَةِ مَالِهِ، قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ: يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ خَاصَّةً وَقَالَ أَحْمَدُ: يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ.
وَكَذَا قَالَ فِيمَنْ وَرِثَ مَالًا مِنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَبِيعُ مِمَّنْ تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ: أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِمِقْدَارِ الرِّبْحِ، وَيَأْخُذُ الْبَاقِي. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوُ ذَلِكَ: مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ.
وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأَمْوَالِ الْحَرَامِ أَنَّهَا تُحْفَظُ، وَلَا يُتَصَدَّقُ بِهَا حَتَّى يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّهَا.
وَكَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَرَى أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ حَرَامٌ لَا يَعْرِفُ أَرْبَابَهُ، أَنَّهُ يُتْلِفُهُ، وَيُلْقِيهِ فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَقَالَ: لَا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالطَّيِّبِ.
وَالصَّحِيحُ الصَّدَقَةُ بِهِ، لِأَنَّ إِتْلَافَ الْمَالِ وَإِضَاعَتَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِرْصَادُهُ أَبَدًا تَعْرِيضٌ لَهُ لِلْإِتْلَافِ، وَاسْتِيلَاءُ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ لَيْسَتْ عَنْ مُكْتَسِبِهِ حَتَّى يَكُونَ تَقَرُّبًا مِنْهُ بِالْخَبِيثِ، وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ عَنْ مَالِكِهِ، لِيَكُونَ نَفْعُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا.