الصفحة 145 من 211

وقد عاش محمد مع جده (عبد المطلب) ، الذى أحبه وقربه إليه، وكان يأخذه معه إلى الكعبة وسط أعمامه، ويجلسه بجواره ويربت على ظهره بحب، ولكن مات عبد المطلب ومحمد ما زال في الثامنة ولم يرث شيئًا،

فأخذه عمه (أبو طالب) -كبير بنى هاشم، وذو المكانة الرفيعة في مكة- برغم أن أعماله التجارية كانت في هبوط. وأحب أبو طالب محمدًا حبًا كبيرًا، وكذلك أحبه أعمامه. (1)

ونهض (أبو طالب) بحق ابن أخيه على أكمل وجه، وضمه إلى ولده، وقدمه عليهم، واختصه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعز جانبه، ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله. (2)

ولما بلغت سن (محمد) اثنتى عشرة سنة، أراد عمه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم محمدٌ فراقه، فرَقَّ له، وأخذه معه، وهذه هى الرحلة الأولى، ولم يمكثوا فيها إلا قليلًا، وقد أشرف على رجال القافلة- وهم بقرب بصرى- بحيرا الراهب، فسألهم عما رآه في الكتاب المقدس من بعثة نبى من العرب في هذا الزمن، فقالوا: إنه لم يظهر إلى الآن، وهذه العبارة كثيرًا ما كان يلهج بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى قبل بعثة محمد (3) ، ولذلك ورد في القرآن قول الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} . (4)

ولقد شهد (محمدٌ) عند بلوغه الخامسة عشر حلفًا استراتيجيًا، يُطلق عليه حلف الفضول، تداعت إليه قبائل من قريش، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى تُرد عليه مظلمته، رغم أن هذا الحلف روحه تنافى الحمية الجاهلية التى كانت العصبية تثيرها، وقد قال محمدٌ بعد أن أكرمه الله بالرسالة: لقد شَهدّتُ حلفًا ما أُحب أن لى به حمر النعم، ولو أُدْعَىَ به في الإسلام لأَجَبت. (5)

ولأن محمدًا لم يرث من والده شيئًا، وقد ولد يتيمًا فقيرًا، فعندما بلغ مبلغًا يمكنه أن يعمل عملًا ما، اشتغل برعى الأغنام لأهل مكة، حتى أثَّرت تلك الحرفة في شخصيته، فسكن قلبه الرأفة واللطف تعطفًا بأضعف البهائم، حتى أصبحت تلك السمات هى نفس سمات تعامله مع البشر. (6)

فلما بلغ الخامسة والعشرين من عمره، وكانت أخباره وصفاته الحميدة قد زاعت بين الناس، حتى سمعت بها (خديجة بنت خويلد) -وهى امرأة تاجرة ذات شرف ومال، كانت تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم-، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، وأرسلت معه غلامًا لها، فلما أنهى الرحلة إلى الشام -كانت هذه رحلته الثانية- وعاد إلى مكة، رأت

1 -محمد نبى لزماننا / كارلين أرمسترونج. ص 36،37 ... 2 - الرحيق المختوم ص 48 3 - نور اليقين ص.17

4 -] البقرة: 89 [. ... 5 - الرحيق المختوم بتصرف ص 48 6 - نور اليقين ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت