خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل هذا، وأخبرها غلامها بما رأى من خلال محمد العذبة، وشمائله الكريمة، وفكره الراجح، ومنطقه الصادق، ونهجه الأمين، وبهذا النجاح الذى حققه محمد في تجارته وهذه الخصال الكريمة التى عرفتها عنه، وجدت في فيه ضالتها المنشودة -مع أن السادات والرؤساء كانوا يحرصون على الزواج منها فتأبى عليهم- فتحدثت بذلك إلى صديقة لها، فلم تلبث تلك الصديقة إلى أن تُعلمْ محمد بما فى
نفس خديجة، فرضى محمد بالزواج من خديجة، وكانت خديجة تبلغ الأربعين من عمرها وقد سبق لها الزواج، لكنها كانت أفضل نساء قومها نسبًا وثروةً وعقلًا، وتزوجها محمد ولم يتزوج غيرها، إلى أن ماتت وهو في الخمسين من عمره، ويقول (ديورانت) فى هذا الشأن ما نصه:"ولم يتزوج غيرها حتى توفيت بعد ذلك بستة وعشرين عامًا، ولم يكن الاقتصار على زوجة واحدة أمرًا مألوفًا عند أغنياء العرب في ذلك الوقت". (1) ، وقد أنجب محمد من خديجة كل أولاده عدا (ابراهيم) -كان من (مارية القبطية) (2) -، فكان له منها القاسم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله، وقد مات بنوه كلهم في صغرهم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنهن أدركتهن الوفاة أيضًا في حياته، سوى فاطمة ماتت بعده بستة أشهر. (3)
ولما بلغت سن محمد خمسًا وثلاثين سنة، جاء سيل جارف، فصدع جدران الكعبة بعد وهنها من حريق كان أصابها من قبل، فأرادت قريش هدمها ليرفعوها ويسقفوها، فاجتمعت قبائلهم لذلك، فهدموها، ثم ابتدئوا في البناء، وأعدوا لذلك نفقة، واتفقوا على ألا يدخل في تلك النفقة مهر بغيّ، ولا بيع ربا، وذلك تعظيمًا لبيت الله وتقديسًا له، فلما تم البناء وأرادوا وضع الحجر الأسود في موضعه، اختلف أشرافهم فيمن يشرُف برفع الحجر وتنافسوا على ذلك، حتى كادت تشب بينهم نار الحرب، ودام بينهم الخصام أربع ليال حتى اتفقوا على أن يحكِّموا بينهم أول قادم عليهم، فكان أول قادم عليهم هو محمد بن عبد الله فاطمأن الجميع له وقالوا: هذا الأمين رضيناه، هذا محمد -وكانوا يتحاكمون إليه ويعهدون فيه الأمانة وصدق الحديث- فلما أخبروه الخبر بسط رداءه، وقال:"لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب"، ثم وضع فيه الحجر، وأمرهم برفعه حتى انتهوا إلى موضعه، فأخذه ووضعه فيه.، وبهذا القضاء الحكيم انتهت المشكلة وخمدت الحرب بين القبائل قبل أن تشتعل، ولا يُستغرب من قريش تنافسهم هذا؛ لأن الكعبة هى قبلة العرب وكعبتهم التى يحجون إليها، فكان لزامًا أن يكون كل عمل بها عظيم وفيه الفخر والتشريف. (4)
1 -قصة الحضارة /محمد في مكة. ص 22 2 - ... الجارية التى أهداها إليه المقوقس عظيم القبط في مصر.
3 -الرحيق المختوم ص 51 ... 4 - نور اليقين ص 21 بتصرف.