الصفحة 147 من 211

سنوات سبقت الوحى:

ولِما عرفناه عن محمد من نضاجة العقل وحسن التفكير، ما كان ليفوته ما عليه قومه من عبادة أحجار صنعوها بأيديهم، يقدمون لها القرابين، ويذبحون لها ويصلون لها في الأزمات، راجين منها جلب النفع ودفع الضر، وما هى التى تنفع أوتضر، وقد كثرت الآلهة، فأصبح لكل قبيلة إله يقف مع الآلهة الاخرى في بيت الله، هذا بجانب الإله هُبَل -والذى كان له تمثال كبير داخل الكعبة- وثلاثة آلهة آخرى كانت تسمى ببنات الله وهى: اللات، والعزى، ومناة، فكانوا ينشدون أثناء طوافهم بالكعبة:"واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى"، غير أنهم يرون أن الله وهو إله الكعبة يَسموا على كل هذه الآلهة، وما تلك الآلهة كلها إلا واسطة بينهم وبينه، ويُعبر القرآن عن مفهومهم هذا بقول الله تعالى مخبرًا عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} . (1) ، ولكن كانوا ينظرون إلى الله على أنه بعيد عن العالم وقليل التأثير على الناس في حياتهم اليومية، فلم يصنعوا له تماثيل، فمثله عندهم كمثل بقية الآلهة العليا، أو آلهة السماء المعروفة في الأديان القديمة، وقد جاء في التوراة ما يؤكد هذا المعنى، حين قال داوود: لأنى أنا قد عرفت أن الرب عظيم، وربنا فوق جميع الآلهة (2) ، ومع أن آلهة العرب لم تعط لهم هداية أخلاقية، فقد وجد كثير من العرب في طقوس العبادة ما يكفيه، ولكن بعض القرشيين وجد أن تلك الأوثان الحجرية رموز غير كافية للمقدس. (3)

ويُثبت ذلك ما قاله (بروكلمان) (4) أنه:"ليس من شك في أن العرب كانوا في أول الأمر يؤدون الشعائر الدينية إلى تلك الآلهة التى كانت أقرب إليهم من الله ... حتى إذا أوشك فجر الإسلام أن يبزغ لم تبق هذه العبادة قادرة على أن تملأ وجدان العرب الدينى بكامله، وهكذا انحط شأن هذه العبادة وانحطت دلالتها انحطاطًا متواصلًا كان يرافقه -دائمًا- تعاظم أهمية الشعور الدينى العام القائم على أساس الإيمان بالله، وفى مكة أخذ الله يحتل شيئًا فشيئًا محل هُبَل، الإله العربى القديم، كرب للكعبة". (5)

وكان العرب قد عرفوا الديانتين التوحيديتين: اليهودية والمسيحية، وذلك من خلال رحلاتهم التجارية إلى الشام واليمن، ومخالطتهم ببعض أهل هاتين الديانتين، عند مقابلة بعض الرهبان والنساك المسيحيين، وبعض أحبار اليهود، حيث كان لليهود قبائل في شبه الجزيرة، منها ما يطلق عليها يهود بنى النضير، ويهود بنى قريظة، ويهود بنى قينقاع، كذلك عرفت العرب الوثنيون أن الكتاب المقدس يقول عنهم أنهم أبناء إسماعيل، الابن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت